الصفحة 51 من 84

الماضية، مع أن الشعر ليس أنغامًا فقط، بل هو أنغام وصور وتعبيرات وأفكار ومشاعر وبناء فني، وفي كل شيء من هذا مِن المتعة ما فيه.

إلا أن تراجع الأستاذ الدكتور لم يقف عند هذا الحد؛ إذ ذكر بصريح العبارة أنه ليست هناك أية مشاحة في أن الشعر المسرحي، وكذلك شعر المديح والهجاء والاستنهاض، إنما قيل لتوصيل معنى إلى جمهور المشاهدين والمستمعين، لكنه، رغم ذلك، يأبى إلا الاستمرار على مكابرته قائلًا: إن هناك لونًا آخر من الشعر يناجي فيه الشاعرُ نفسه، وإن هذا هو الشعر الذي يقصده، رغم اعترافه أن معظم شعرنا العربي قديمه وحديثه قد قيل في المدح والهجاء والاستنهاض وما إلى ذلك، بل إنه ليُخرج من الشعر الذي يعنيه شعر الغزل بشبهة أن الشاعر لا يناجي فيه نفسه بل حبيبته، فهو يتجه بالخطاب إليها ولو نظريًّا على الأقل، ولا يُعقل أنه يخاطب فيه الهواء [1] ، وبالمثل نقول نحن: وحتى عندما ينظم الشاعر قصيدة يناجي فيها ذاته فإنه إنما يخاطب الآخرين عارضًا عليهم أفراح نفسه وأشجانها، وآمالها وآلامها، وطماحها ويأسها ... إلخ، خضوعًا منه لطبيعته البشرية التي لا يستطيع التنكر لها في هُفُوِّها للتواصل مع الآخرين بحثًا عن التعاطف والسلوى من جهة، وتطلعًا إلى تقديرهم لإنجازه الأدبي من جهة أخرى، وإلا فلماذا تحفى أقدام الأدباء والشعراء لينشروا ما يكتبون ولا يكتفون بالإبداع في ذاته فيحبسوه في الأدراج ويريحوا أنفسهم من تعب النشر وما يُنفق فيه من مال، وما قد يُبتذل أيضًا من كرامة؟ وعلى أية حال فإن الشعر، حتى في هذه الحالة، يعني بكل يقين شيئًا، بل أشياء، وليس مجرد أصوات تلَذُّها الأذن كما يزعم الأستاذ الدكتور!

ويستمر انزلاق قدم كاتبنا فيعترف أن الشاعر الذي ينظم شعر المناجاة الذاتية هو أيضًا يفكر في الآخرين وفي توصيل شعره إليهم، لكنه يظل على مكابرته قائلًا: إن هذا إنما يتم فيما بعد؛ إذ هو لا يفكر في شيء من هذا أثناء النظم، أما بعد الفراغ من القصيدة فالأمر يختلف؛ إذ"يرد الناس الآخرون إلى خاطره فينشر فيهم قصيدته ليقرأها من هو في مثل حالته فينفس بها عن كربه، ولينقدها ناقد فيعلم الشاعر من خلال نقده كيف جاءت نفثته" [2] ، إذًا فالشاعر حين ينظم شعره، ومثله الأديب عمومًا في سائر إبداعات الأدب، إنما يريد توصيل شيء للآخرين، وليس يهمنا أهو يعي ذلك منذ بداية إقباله على إبداع القصيدة أم يطرأ له هذا فيما بعد، فهذه مسألة ثانوية لا تقدم ولا تؤخر، ولقد كررها كاتبنا بمنتهى الوضوح في قوله: إن"الشعر، كائنة ما كانت صورته، يجاوز حدود الشاعر إلى سواه"، الله أكبر! ففيم إذًا كل هذا الجدال والعناد ومحاولة إنكار البدهيات؟ لكن صبرًا أيها القارئ؛ فالدكتور لا يزال قادرًا بل مصرًّا على الجدال والعناد إلى آخر لحظة؛ فـ:"الشعر إذ ينقل شيئًا من قارئه إلى سامعه، فهو لا ينقل"

(1) السابق/ 134 - 136.

(2) السابق/ 136 - 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت