الصفحة 16 من 84

مجهولة لدينا نحن المصريين، ودَعْك من أن الحياة قد تغيرت منذ العصر الجاهلي حتى الآن تغيرًا شاملًا أو يكاد! ولهذا السبب يجدني القارئ، في كتابي عن النابغة الجعدي، أبدي ضيقي بمثل هذه الأشعار.

كذلك أحب أن أذكر للقارئ تجرِبة ثالثة لي في القراءة تتصل بما نحن فيه، فقد قرأت عددًا من الدراسات حول شِعر الشاعر العراقي المعاصر بدر شاكر السياب، وظل هناك رغم ذلك حائل بيني وبين النفوذ القوي العميق إلى روح ذلك الشاعر وشعره؛ إذ كنت لا أستطيع تحقيق نوع المرض الذي كان يعاني منه، كما كنت أجهل جوانبَ كثيرة من حياته الأسرية والشخصية ... إلى أن وقع في يدي بقَطَر كتاب د. حجر أحمد حجر البنعلي:"معاناة الداء والعذاب في أشعار السياب"، الذي جلَّى فيه طبيعة مرض الشاعر المسكين، وألقى الضوء على بعض الأمور التي كانت خافية عليَّ من حياته وعلاقته بأسرته وزوجته وأصدقائه وما إلى ذلك، فانفتحَتْ أمامي إلى الشاعر وشعره أبواب أخرى غير التي كانت مفتوحة لي من قبل، واستطعت لذلك فهمَ أشياءَ مِن شعره على نحو أفضل ... وهكذا، ومثل ذلك كتابان قرأتهما بأخرة (هما"أيام مع طه حسين"للدكتور محمد الدسوقي، و"مسامرات نقدية"للدكتور عبدالكريم الأشتر) جعلاني أتعاطف مع الدكتور طه وظروفه أكثرَ من ذي قبل، وأُبصر نتاجه الأدبي بعينٍ غيرِ العين التي كنت أراه بها إلى حد ما، وإن لم يتغيَّرْ موقفي من تمجيده المطلق للحضارة الغربية وما كتبه عن الإسلام أيام كان يعتسف الحديث عن دِين محمد عليه الصلاة والسلام اعتسافًا لا يعرف التبصُّر.

على أن ذلك كله، مع أهميته الشديدة، لا يكفي؛ إذ لا بد للقارئ، إذا كان يريد أن يكون تذوقه للعمل الذي يقرؤه أقوى وأعمق، أن يعرف أيضًا طبيعة الجنس الأدبي الذي ينضوي تحته ذلك العمل، إن لكل جنس أدبي خريطتَه ومفاتيحه، وإذا لم يُرِدِ القارئ أن يضرب في أرجاء العمل الذي في يده على غير هدًى فعليه أن يلمَّ بقواعد الجنس الذي ينتمي إليه، ترى هل يتم تذوق سليم لقصيدة شعرية دون أن يعرف القارئ شيئًا عن موسيقا الشعر مثلًا؟ الحق أنه بدون مثل هذه المعرفة لن يكون بمستطاعه إدراك كثير من نواحي الجمال أو النقص فيها بكل يقين، وقُلْ مثل ذلك فيمن يقرأ رواية للدكتور طه حسين مثلًا فيفتن بأسلوبه الساحر ولا يتنبه إلى أن فن الرواية ليس أسلوبًا فحسب، بل هناك عناصر أخرى من تشخيص وسرد وحوار ووصف وبناء لا يتم تذوق أي عمل روائي بعمق، أو الحُكم عليه حُكمًا دقيقًا، دون الإحاطة بها.

إن العمل الأدبي، بالنسبة للقارئ الذي لا يعرف اللغة التي كُتب بها، ليشبه شيئًا تراد رؤيته، لكنه غارق تمامًا في ظلام دامس، فليس من وسيلة لإبصاره، فإذا عرف القارئ تلك اللغة انجاب بعضٌ مِن ذلك الظلام، فإذا عرَف طبيعة الجنس الذي ينتسب إليه العمل انجاب بعض آخر، فإذا عرف ظروف تأليفه انجاب بعض ثالث، فإذا عرف حياة مؤلفه وشخصيته تكاثرت أشعة الضوء المبدِّدة للظلام ... وهكذا دواليك، الفهم إذًا هو الوسيلة إلى التذوق، وفي ضوء هذا يمكننا أن نقرأ عبارة الشاعر والناقد الإنجليزي كوليردج، التي يقول فيها: إن"الذَّوق الجيد، مثله مثل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت