مباشرة ودون الحاجة إلى بذل أي جهد من جانبنا، أما فهم العمل الأدبي فيقتضي أن نفهم اللغة التي كُتب بها ونفهم مضمونه، ويزداد فهمنا له ويعمق إذا أضفنا إلى ذلك معرفة كل ما نستطيع الوصول إليه من معلومات تتعلق بمبدعه والظروف التي أبدعه فيها ... إلخ.
ولا ريب أن القارئ إذا لم يكن عارفًا باللغة التي كُتب بها العمل الأدبي فلن يفهم منه شيئًا، ومِن ثم لن يكون بمقدوره أن يتذوقه، على أن يكون معلومًا أن معرفة اللغة درجات متفاوتة: فمنا من يعرف اللغة التي ينتمي إليها العمل الأدبي معرفة عامة دون أن يفهم نحوها وصرفها، أو يعرف شيئًا عن بلاغتها في التعبير، كما قد يكون محصوله اللغوي من الألفاظ والتعبيرات غير كافٍ، أو ربما لم يكن مهيأ للتعامل إلا مع لغة العصر الذي يعيش فيه، بحيث لا يستطيع أن يفهم أي عمل أدبي ينتسب إلى عصر من العصور الأدبية السابقة ... إلخ، ترى هل يستطيع القارئ العادي في عصرنا هذا أن يفهم قصائد الشعر الجاهلي مثلًا؟ الجواب في الغالب هو بكل تأكيد:"كلا"، وهل يستطيع القارئ الذي لا يعرف شيئًا عن البحر والسفن أن يفهم، كما ينبغي أن يكون الفهم، رواية تصف حياة البحارة على ظهر السفن والمحيطات والعمل الذي يؤدونه في مثل هذه الظروف؟ لا أظن ذلك، ولقد حاولتُ منذ نحو عشرين عامًا قراءة رواية"موبي دك"لهرمان ملفيل"الكاتب الأمريكي المعروف"في لغتها الأصلية، وهي تدور على حياة البحر، ومضيتُ في قراءتها إلى منتصفها تقريبًا، إلا أن غرابة الجو الذي تتحدث عنه، سواء على أثباج الموج أو في الحانات التي يرتادها بحارة السفينة، وكذلك جهلي المطلق بالمصطلحات البحرية التي تكتظ بها، فضلًا عن غرام المؤلف المفرط بوصف كل شيء وصفًا مفصلًا لا يكاد يغادر منه كبيرة أو صغيرة إلا أحصاها، كل ذلك جعل تقدمي في القراءة عملًا صعبًا، مما صرفني عن متابعة السير فيها إلى النهاية.
كذلك أعترفُ أن في الشعر الجاهلي الذي قرأتُه (وما أكثره!) أبياتًا لا أحقِّق لها معنى، أو على الأقل لا أحقق معناها على وجه الدقة، ومنها على سبيل المثال: الأبيات التي يتحدث فيها امرؤ القيس في معلقته عن نجوم الثريا وتعرُّضها كتعرُّض أثناء الوشاح المفصل، إن الأبيات تعالج موضوعًا من موضوعات الفلك لا بد من إقراري بأني لا أعرف منه شيئًا، على حين كان الجاهليون يعرفونه كما يعرفون ظهور أيديهم حسب التعبير الإنجليزي المشهور! ومثل ذلك كل المقاطع التي يخصصها كثير من شعرائنا القدامى لوصف ناقتهم التي كانوا يرتحلون عليها وكانوا يجدون لذة أي لذة في الوقوف طويلا إزاءها عضوًا عضوًا، على حين لا أفهم أنا هذا الوصف إلا فهمًا عامًّا مقاربًا، وأحيانًا لا أكاد أفهم شيئًا رغم معرفتي بكثير من مفردات ذلك الوصف وتراكيبه واستعانتي بالمعاجم وشروح نقادنا ولغويينا القدماء في معرفة الباقي، والسبب؟ السبب هو أن الموضوع غريب عليَّ إلى حد كبير، فأنا مِن أسرة تجار، ومن ثم لا أعرف شيئًا عن البادية والناقة، فضلًا عن أن تجرِبة السفر على ذلك الحيوان هي تجرِبة