القرن السابع عشر، وهو يستشهد على ذلك بعبارات مأخوذة من فولتير وتين ولابرويير وغيرهم، كما نقرأ في قاموس أكسفورد أن دلالة كلمة"taste"على الشعور بما هو لائق أو منسجم أو جميل، وعلى القدرة على إبصار الجمال وتقديره سواء في الطبيعة أو في ميدان الفنون، وعلى نحو خاص الملَكة التي ندرك بها ونستمتع من خلالها بما هو ممتاز في الفن والأدب وما أشبه، يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر، وقد مثل لهذا بنص من ملتون وآخر من كونجريف في ذلك القرن.
والملاحظ أن بعض النصوص التي تتحدث عن"الذَّوق"بمعناه الأدبي والفني تحصر مهمته في إدراك الجوانب الجميلة في العمل الأدبي والفني، غافلة عن أن الذَّوق في معناه الأصلي؛ أي: ذوق المطعوم والمشروب، لا يقتصر على الحُلْو وحده، بل يشمل الحُلْو والمُرَّ، والمِلح والمز والحامض ... إلى آخر الطعوم، وليس يُعقل أن تكون وظيفة الذَّوق الأدبي هي إبصار الجميل فقط، بل الجميل والقبيح، والحسن والرديء، والممتع والمنفِّر ... وهلم جرًّا، وهذا من الوضوح بمكان بحيث يعجَب الإنسان كيف فات أولئك النقاد الالتفات إليه؛ فقارئ النص الأدبي أو الناظر إلى اللوحة المصورة أو المستمع إلى القطعة الموسيقية مثلًا قد يجد في العمل الذي بين يديه ما يسره ويثير نشوته وأريحيته، أو قد يجد فيه ما يهيج منه النفور ويجعله يلوي عطفه ويزورُّ بوجهه ضيقًا وضجرًا، ومبعث هذا وذاك هو الذَّوق الأدبي أو الفني، ومن النصوص التي قصرت الذَّوق على إدراك الجوانب الجميلة في الإبداعات الأدبية والفنية ما جاء في"Current Literary Terms"من أن"الذَّوق: taste هو الملَكة التي ندرك بها ونحب ما هو جميل، وبخاصة في الآداب والفنون" [1] ، ومثله ما يقول د. جميل صليبا في تعريفه للذوق الأدبي من أنه"قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك لطائف الكلام ومحاسنه الخفية" [2] ، ومن هنا فإننا مع التعريف الذي ساقه د. جبور عبدالنور للذوق الأدبي من أنه"ملَكة الإحساس بالجمال والتمييز بدقة بين حسنات الأثر الفني وعيوبه وإصدار الحكم عليه" [3] ، والواقع أن الإنسانَ لا يستطيع أن يميز الجمال ويستمتع به إلا إذا كان قادرًا في ذات الوقت على تمييز القُبح والاشمئزاز منه، فبضدها تتميز الأشياءُ، كما هو معروف.
بَيْدَ أن القارئ لا يمكنه تذوق العمل الأدبي إلا إذا فهمه أولًا، وذلك على العكس من تذوق الطعام والشراب أو الاستمتاع بالعطر الفواح أو الانبهار بمنظر البحر عند الغروب أو الضيق بالأصوات المزعجة، أو الاشمئزاز من رائحة الجيف المنتنة مثلًا؛ إذ الشعور بتلك الأشياء والتلذذ بها أو النفور منها لا يحتاج منا إلى أن نفهمها أولًا، بل يقع
(2) د. جميل صليبا/ المعجم الفلسفي/ دار الكتاب اللبناني/ 1982 م/1/ 597.
(3) د. جبور عبدالنور/ المعجم الأدبي/ دار العلم للملايين/ 1979 م/ 118.