مكسوره ... في أنك لا تتصدى له ولا تتكلف تعريفه" [1] ، بل إن ابن الأثير (ت 627 هـ) ليفرق بين"الذَّوق السليم"، ويقصد به الملَكة الفطرية التي يدرك بها الإنسان مواطن الجمال في الأدب، و"ذوق التعليم"، وهو الذَّوق المصقول الذي درس صاحبه قواعد البلاغة والنقد، يقول:"اعلم أيها الناظر في كتابي أن مدار علم البيان على حُكم الذَّوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم" [2] ، كذلك نقرأ لابن أبي الحديد (ت 656 هـ) أن"معرفة الفصيح والأفصح والرشيق والأرشق من الكلام لا يدرك إلا بالذَّوق، ولا يمكن إقامة الدليل عليه" [3] ، وبالمثل يجعل ابن خلدون (ت 808 هـ) مدار البلاغة على الذَّوق؛ إذ يقول:"اعلَمْ أن لفظة"الذَّوق"يتداولها المعتنون بفن البيان، ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان، واستعير لهذه الملكة عندما ترسخ وتستقر اسم"الذَّوق"، الذي اصطلح عليه أهل صناعة البيان، وإنما هو موضوع لإدراك الطعوم، ولكن لما كان محل هذه الملكة في اللسان من حيث النطق بالكلام، كما هو محل لإدراك الطعوم، استُعير لها اسمه، وأيضًا فهو وجدان اللسان، كما أن الطعوم محسوسة له، فيقال له: ذوق" [4] ... وهكذا."
أما بالنسبة للنقد الأوروبي فقد جاء مثلًا في"A Dictonary of Litaerary Terms"أن لفظة"الذَّوق: taste"قد أصبحت مصطلحًا نقديًّا أواخر القرن السابع عشر الميلادي؛ إذ نجد مثلًا في كتاب"Les Caracterses"للناقد الفرنسي لابرويير أنه في الأمور الفنية " il y a donc un bon et un mauvais gout: هناك ذوق سليم وذوق فاسد، كما يحدد أديسون في بداية القرن الثامن عشر الميلادي"الذَّوق"بأنه تلك الملَكة النفسية التي من شأنها إدراك نواحي الجمال في نتاج كاتب ما، والتلذذ بها، وكذلك الالتفات إلى جوانب النقص فيه والنفور منها، ثم استقر هذا الاصطلاح في ميدان النقد الأدبي في القرن الثامن عشر لينتشر بعد ذلك في الكتابات التي تبحث في فلسفة العلوم والجمال [5] ."
ويؤكد هذا ما جاء في كل من"Grand Larousse de la [6] Langue Francaise Oxford English Dicatioary [7] "؛ إذ يقول قاموس لاروس الكبير: إن استعمال كلمة"gout"للدلالة على الملَكة التي ندرك من خلالها الجمال والقُبح، وكذلك الكمال والنقص في الإبداع الأدبي والفني، يرجع إلى أواسط
(1) عبدالقاهر الجرجاني/ دلائل الإعجاز/ مطبعة المنار/ 1321 هـ/ 225.
(2) ابن الأثير/ المثل السائر/ مكتبة نهضة مصر/ 1959 م/ 1/ 38.
(3) نقلًا عن"الإتقان"للسيوطي/ ط 4/ مصطفى البابي الحلبي/ 1398 هـ - 1978 م/ 2/ 231.
(4) مقدمة ابن خلدون/ المطبعة البهية/ القاهرة/ 516.