والضعفاء بما يملِك من مال أو صحة أو علم مثلًا، لقلنا: نعم، ونَعام عين، أما تلك الدعوى الجامحة فكلا وألف كلا!
ولعل هذا ما تومئ إليه كلمات د. التفتازاني حين ذكر أن المعرفة عند أهل التصوف"ذات طبيعة وجدانية ذاتية تمامًا"، وأن"اعتبار المعرفة الصوفية ذوقًا يجعل من التصوف شيئًا أقرب إلى الفن، الذي يقوم على الخبرة الذاتية والمعاناة، منه إلى العلم، وهذا يفسر اختلاف الصوفية في التعبير عن معارفهم؛ لأن كل صوفي إنما يعتمد في التعبير على ذوقه الخاص وتجرِبته الشخصية" [1] .
ولعلنا قد لاحظنا أن تعريف الصوفيين للذوق لا يقف به عند الناحية الوجدانية فقط، بل يمده ليشمل الجانب العقلي أيضًا، وهو ما يصدق على"الذَّوق"في مجال الأدب، بخلاف تذوق الطعام أو الموسيقا أو النسيم العليل أو العطر وما أشبه مما لا يحتاج الإنسان معه إلى أن يفهمه بعقله قبل أن يتذوقه، أستبق فأقول هذا الآن قبل أن أعود إليه بالتفصيل فيما بعد؛ لأن بعض النقاد في الآونة الأخيرة يدعون إلى أن يدخل القارئ على العمل الأدبي مباشرة دون محاولة الاستعانة على فهمه بالاطلاع على أخبار مبدعه مثلًا، أو معرفة الظروف التي أحاطت بإبداعه ... إلخ، وهو ما يقف بيقينٍ حاجزًا بين القارئ وتذوق النص؛ لأنه في مجال الآداب لا تذوق دون فهم، كما أنه كلما زاد فهم النص والتغلغل في أغواره وأبعاده ازدادت اللذة الحاصلة من هذا التذوق.
وقد استعملت كلمة"الذَّوق"في النقد العربي القديم منذ وقت مبكر: ففي مقدمة"عيار الشعر"مثلًا لابن طباطبا العلوي (ت 322 هـ) نقرأ أن الشعر"كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطبتهم بما خُص به من النظم، الذي إن عدل به عن جهته مجَّتْه الأسماع وفسد في الذَّوق، ونظمه معلوم محدود، فمن صح طبعه وذوقه لم يحتَجْ إلى الاستعانة على نظم الشعر بالعَرُوض التي هي ميزانه، ومن اضطرب عليه الذَّوق لم يستغنِ عن تصحيحه وتقويمه بمعرفة العَرُوض والحِذْق به حتى تعتبر معرفته المستفادة كالطبع الذي لا تكلف فيه" [2] ، وفي"دلائل الإعجاز"لعبدالقاهر الجرجاني (ت 471 هـ) يقابلنا - على سبيل المثال - هذا النص الذي يقول فيه ذلك الناقد الكبير:"واعلَمْ أنه لا يصادف القول في هذا الباب [3] موقعًا من السامع، ولا يجد لديه قبولًا، حتى يكون من أهل الذَّوق والمعرفة، فأما من كانت الحالان والوجهان عنده سواءً ... فما أقلَّ ما يجدي الكلام معه، فليكن مَن هذه صفتُه عندك بمنزلة مَن عدم الإحساس بوزن الشعر والذَّوق الذي يقيمه به والطبع الذي يميز صحيحه من"
(1) نفس المرجع والجزء والصفحة.
(2) ابن طباطبا/ عيار الشعر/ تحقيق طه الحاجري ومحمد زغلول سلام/ المكتبة التجارية/ 1956 م.
(3) يقصد نظريته القائمة على أن النظم هو لباب البلاغة.