"الاصطلاحات الصوفية"لكمال الدين فـ"الذَّوق"هو"أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية عند أدنى لبث من التجلي البرقي، فإذا زاد وبلغ أوسط مقام الشهود يسمى"شربًا"، فإذا بلغ النهاية يسمى"ريًّا"، وذلك بحسب صفاء السر عن لحوظ الغير"حسبما نقله التهانوي في"كشاف اصطلاحات الفنون".
وفي المادة التي خصصتها"الموسوعة الفلسفية العربية"لكلمة"ذوق"يذكر د. أبو الوفا التفتازاني أن هذا الاصطلاح يشير إلى طبيعة المعرفة عند صوفية الإسلام،"فهي عندهم ليست حسية أو استدلالية عقلية، وإنما هي حاصلة عن طريق الذَّوق"، ثم يمضي قائلًا: إن استخدام هذا المصطلح يعود إلى تاريخ مبكر؛ إذ أورده القشيري في"رسالته"ذاكرًا أنه يمثل المرحلة الأولى من مراحل ثلاث، هي على التوالي:"الذَّوق"؛ أي: فهم المعاني، ثم"الشرب"، وهو السُّكْر بالأحوال، ثم"الري"، الذي يعرفونه بأنه"صحو بالحق يقترن بالفَناء عن كل حظ" [1] .
وهذا الكلام يعيدنا إلى ما قيل في تعريف"الذَّوق"لغويًّا من أنه إنما يختص بالقليل، بخلاف"الأكل"فإنه للكثير، وإن كان المتصوفة قد استعاضوا عن"الأكل"بـ"الشرب"اتساقًا مع حديثهم عن الخمر الإلهية؛ إذ الخمر تُشرب ولا تؤكل، وقد بينا رأينا في مسألة القلة والكثرة بالنسبة للذوق، وليس من داعٍ إلى إعادة القول فيه كرة أخرى، لكن لا بد من أن نقول كلمة في تفسيرهم للذوق، فهم يتحدثون، كما نرى، عن تجلي الله في قلوب أوليائه، فإن كانوا يقصِدون أن المتصوف يشاهد الله سبحانه فهو كلام غير مقبول؛ إذ إن موسى عليه السلام، على جلال النبوة، لم يتحقق له ذلك وخرَّ صعقًا عندما تجلى ربه للجبل، حسبما جاء في الآية 143 من سورة"الأعراف"، كما أكدت عائشة رضي الله عنها أن مَن ادعى رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه فقد أعظم الفِرية، فكيف يزعم المتصوفة لأنفسهم ما لم يقع للأنبياء؟!
كذلك فقولهم: إن"الذَّوق"الذي يعانيه الصوفي يغنيه عن إدراكات الحواس والدراسة وقراءة الكتب والتفكير العقلي هو أيضًا دعوى جامحة، لا تستحق غير الرفض؛ لأن هذه الحالة لا تتحقق لغير الأنبياء؛ إذ ينزل اللهُ سبحانه عليهم وحيَه، فيقوم لهم مقام الكتب والدراسة بالنسبة لنا نحن البشر العاديين، الذين لا يمكننا اكتساب أية معرفة إلا من خلال القراءة والاستماع وسائر الحواس، فضلًا عن التجارِب التي نمر بها في رحلة الحياة، وعلى هذا فأي شعور يحسه المتصوف مما يزعمونه تجليًا لله سبحانه على قلبه ليس إلا محصلة لما اكتسبه من معارف تعلمها من الكتب أو أخذها عن المشايخ أو استقاها من تجارِب الحياة اليومية، ولِما أدَّاه إليه عقله من أفكارٍ ووجدانات، هذه هي حقيقة الأمر، ولا شيء غير ذلك! ولو أنهم قد عرفوا"الذَّوق"بأنه اللذة التي يشعر بها الصوفي جراء إخلاصه في عبادته وإقباله على ربه إقبال الخشية والإخبات، أو جراء زهده في حطام الدنيا وقيامه على مساعدة المحتاجين
(1) الموسوعة الفلسفية العربية/ معهد الإنماء العربي/ 1986 م/1/ 457.