الصفحة 10 من 84

يذُقْ طعم الهزيمة قط"، و"A man of taste: رجل سليم الذَّوق"، وفي الفرنسية يقولون:"geoter"للتصبيرة التي يتناولها الإنسان، وفي ذات الوقت نراهم يقولون: إن فلانًا عنده"gout pour la peintrure: ميل إلى الرسم"أو: إنه"s habiller avec gout: يتأنق في ملابسه"، أو:"gouter la musitqu: يتذوق الموسيقا"أو:"gouter les tous metiers: جرب جميع المهن"، أو:"gouter la mort: ذاق الموت"، كما يصفون لوحة مثلًا بأنها:"un taleleau dans le gout modern: على الطراز الحديث"، أو يقول الواحد منهم معبِّرًا عن رأيه في مسألة ما: a mon gout: في رأيي، أو من وجهة نظري"... وهكذا.

ولعل القارئَ قد تنبَّه إلى أن الفرنسيين يستخدمون للتصبيرة كلمة"gouter"؛ أي: إن التذوق عندهم إنما يقع على القليل من الطعام والشراب، وهو ما نجده عندنا أيضًا؛ ففي"تاج العروس"مثلًا أن أصل الذَّوق فيما يقل تناوله، أما الكثير فيقال له:"الأكل"، وأن القرآن إذا كان قد اختار لفظ"الذَّوق"للعذاب الأخروي رغم طوله وشدته على عكس ما هو متعارف عليه من أن"الذَّوق"للقليل؛ فلكي يُعلَم أن الكلمة صالحة مع ذلك للكثير أيضًا.

والواقع أن المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل؛ إذ لا ريب في أن التذوق يقع فعلًا بلقمة طعام أو رشفة شراب، لكن إذا كانت هناك مثلًا مأدبة حافلة بالآكال والأشربة المختلفة ومدعو لها طائفة من الأصدقاء المقربين ليتناولوا طعامهم على ضوء الشموع في الوقت الذي يقدم لهم الطعام طبقًا بعد طبق، فإن التذوق في هذه الحالة لا يتم بالقليل؛ إذ لا بد أن يأخذ الطاعم راحته ليستمتع بهذا الجو (أو فلنقل:"ليتذوقه") كما ينبغي، وبالمِثل لا يستطيع قارئ القصيدة أو الرواية أن يتذوقها بمجرد قراءته لسطر منها أو سطرين أو صفحة أو صفحتين أو فصل أو فصلين أو حتى ثلاثة أو أربعة .... بل لا مناص من إتمامه المطالعة إلى نهاية العمل، وربما احتاج الأمر منه بعد ذلك كله إلى معاودةِ مطالعته، ثم التأمل المستأني له؛ كي يقدر على النفوذ إلى أغواره وقممه، وتذوقه كما يجب؛ أي: إن المسألة نسبية: فإذا كان المقصود مجرد الإحساس بطعم الأكل أو الشرب ففي هذه الحالة تكفي لُمْجة، أما إذا أريد الاستمتاع الحقيقي فلا مفر من أكلة تتناول على مهل، ويتخللها الحديث الودود مع الحاضرين ... إلخ، وهكذا كله في الأكل والشرب، أما في ميدان الأدب والفنون فإن الأمر يحتاج بكل تأكيد إلى طويل وقت حتى ينتهي المتذوق من قراءة العمل أو استماعه أو تأمله إلى نهايته.

والآن، وبعد أن تعرضنا لمعنى كلمة"الذَّوق"حقيقة ومجازًا، نشير إلى أن هذا"الذَّوق"يحتل عند المتصوفة وفي الآداب والفنون والنقد مكانة متميزة؛ فهو لدى العارفين"منزل من منازل السالكين أثبت وأرسخ من منزلة الوجد"، كما جاء في"تاج العروس"، وقد عرفه الجرجاني في"تعريفاته"بأنه"عبارة عن نور عرفاني، يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه، يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب و غيره"، أما في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت