فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 72

عقلا أن يعتقد الإنسان بوجود شيء من دون أن يكون له واجد، فكل موجود لا بد له من واجد وكل مصنوع لا بد له من صانع وكل مخلوق لا بد أن يكون له خالق، ومن ثم يؤمن بوجود إلهه وخالقه وإن كان لا يراه ولكنّ الآثار والشواهد الدالة على وجوده أكثر من أن تحصى، ومثال ذلك:

أن الإنسان لا يرى روحه ولكنه يؤمن بوجود هذه الروح لوجود آثارها من حياة، وكذلك فإنه لا يرى عقله ولكنه يؤمن بوجوده لوجود آثاره من قدرة على التفكّر والتدبّر، وكذلك لا يرى الجاذبية ولكنه يؤمن بوجودها لوجود آثارها من قوة جذب ... إلى غير ذلك.

وأيضا فسوف يجد الإنسان أن فطرته وما تطلّع إليه فؤاده واشتاقت إليه نفسه وما توصّل إليه عقله بعد تفكّر وتعقّل قادوه إلى إجابة جزء كبير ومهم من التساؤل الثاني، وهى: أن هذا الإله الخالق لا بد وأن يكون إله واحد فقط وليس اثنين أو أكثر، وذلك للأسباب الآتية:

1 -أن الإنسان عندما تسائل: من الذي خلقه وأوجده؟ ومن الذي خلق جميع هذه المخلوقات وأوجدها؟ وكانت الإجابة المنطقية بأنّ من خلقه وأوجده وخلق جميع هذه المخلوقات وأوجدها لابد وأنه إله قويّ عظيم يوصف بقدرته على الخَلْق والإيجاد، فإنه سوف يقوم بتكرار هذا التساؤل بشكل مختلف على النحو التالي: ومن الذي خلق هذا الإله وأوجده؟ وبفرض أن الإجابة كانت: لا بد وأنه إله آخر يُوصَف بالقوة والعظمة، فإنه سوف يجد نفسه مضطرا إلى تكرار ذلك التساؤل بشكل غير متناهي وبنفس الكيفية: ومن الذي خلق هذا الإله وأوجده؟ وبالتالي سوف تتكرر الإجابة نفسها دون الوصول إلى إجابة جذرية صحيحة وذلك لأن الإجابة من البداية كانت خاطئة غير منطقية.

ومن ثم تكون الإجابة النموذجية على هذا التساؤل: أنه لا يوجد خالق وواجد لهذا الإله الخالق الواجد الذي خلق هذا الإنسان وأوجد هذا الكون بما فيه من مخلوقات وموجودات، ومن ثم فلا يوجد سوى إله واحد فقط يوصَف بعظيم قوته وطلاقة قدرته على الخلق والإيجاد من العدم، وهذه هى الإجابة المنطقية النموذجية التي لا يقبل العقل الرشيد المُتفكّر سواها.

2 -بافتراض وجود أكثر من إله ومن ثم وجود إرادة مستقلة لكل إله، وبافتراض أن أحدهم أراد فعل شيء وأراد غيره فعل نقيض هذا الشيء (كأن يريد أحدهم تحريك شيء ما ويريد الآخر عدم تحريكه) فما الذي يحدث حينئذ؟

والإجابة على ذلك التساؤل (الذي كان نتيجة للافتراض الوهمي) لا تخرج من 3 احتمالات على النحو التالي:

أ- إما أن يحدث ما أراده كل منهما، وذلك زعم باطل لاستحالته عقلا حيث لا يمكن تحريك الجسم وعدم تحريكه في نفس الوقت.

ب- وإما أن يعجز كل منهما عن تنفيذ ما أراد، وذلك زعم باطل أيضا لاستحالة وجود صفة العجز في الإله الخالق الواجد القادر على فعل كل شيء.

ج- وإما أن يحدث مُراد أحدهما فقط ولا يحدث مُراد الآخر، فيكون حينئذ هو الإله الحقيقي الخالق والقادر على فعل كل شيء وما سواه ليس بإله على الإطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت