الصفحة 71 من 92

الفصل الثالث

العمارة من منظور الاقتصاد الإسلامي

التنمية الاقتصادية هي اليوم موضوع الساعة، والاهتمام بدراستها حديث للغاية .. هذا وإن كان الاهتمام بدراسة التنمية الاقتصادية حديث للغاية، نجد الإسلام قد أولاها عناية منذ أربعة عشر قرنًا.

إن التنمية في النظام الاقتصادي الإسلامي فرض وضرورة، حيث إنها تعني تحقيق الإنسان من خلال عمله درجات متزايدة من السيطرة على الموارد المتاحة في الكون التي سخرها الله سبحانه وتعالى لخدمته، وذلك لتحقيق تمام الكفاية وهو ما يتناسب مع متوسط المعيشة السائد في المجتمع المسلم، ويعني ذلك تحقيق مستويات متزايدة من الدخل، ومن عناصر القدرة الاقتصادية، إلى جانب مشاركة الدولة في إشباع الحاجات الأساسية لغير القادرين وتوفيرها للاستقرار والأمن الداخلي والخارجي.

كما أنه في الإسلام تتخذ التنمية مفاهيم سامية ترتبط بالدين ارتباطًا وثيقًا. بل إن الإسلام ينظر إلى التنمية نظرة شمولية تجمع بين تطوير كل من (( الأرض ) )أي الموارد الطبيعية، والإنسان.

لذلك اهتم الإسلام بها، واعتبرها عبادة لله تعالى، وجعلها من واجبات الاستخلاف، قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [1] .

بل لقد بلغ حرص الإسلام على التنمية الاقتصادية وتعمير الدنيا أن قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها، فله بذلك أجر ) )رواه البخاري.

ولقد شغلت التنمية المقام الأول من فكر المسلمين الأوائل، وإنما تحت لفظ (( العمارة ) )وهو اصطلاح يشمل مضمون التنمية الشاملة يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه مخاطبًا واليه على مصر الأشتر النخعي: (وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد) ..

أقول لقد استخدم المسلمون الأوائل مصطلح (( العمارة ) )للدلالة على (( التنمية ) )، ومن أولئك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو يوسف - رحمه الله -، إضافة إلى العلماء الآخرين من أمثال: ابن خلدون - رحمه الله -، والدلجي - رحمه الله -، وأبو الفضل جعفر الدمشقي - رحمه الله -، وغيرهم.

(1) سورة هود: الآية 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت