الصفحة 15 من 70

شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ [الناس: 1 - 6] .

وشياطين الجنّ يقومون بدور كبير في إفساد الفطرة وتدنيسها، وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب ذات يوم، فكان مما جاء في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كلّ مال نحلته عبادي حَلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» [رواه مسلم] .

المشركون الذين بُعث إليهم الرسول كانوا يقرّون بوجود الخالق وربوبيته:

العرب الذين خاطبهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا مقرّين بوجود الله، وأنّه الخالق وحده للكون، كما يقرّون بأنّه وحده المدبر، ... ولكنهم كانوا يعبدون غيره معه، ولا يخلصون دينهم لله وحده.

وفي معرض إلزام المشركين بالعبودية لله وحده، وإخلاص الدّين له كان يسألهم عن الخالق المالك للسماء والأرض، فكانوا يعترفون، ولا ينكرون، {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [لقمان: 25] .

فكان يجب ألا نقف عند أدلة وجود الله كثيرًا، لأنّ الفطرة الإنسانية تشهد بذلك، ولا يكاد يعرف منكر لوجود الخالق في الماضي إلا النزر اليسير، وهم لا يمثلون في البشرية نسبة تذكر.

إلا أن الانحراف اليوم وصل الدّرك الأسفل، فأصبحنا نرى أقوامًا يزعمون أن لا خالق، ويجعلون هذه المقولة مذهبًا يقيمون عليه حياتهم، وقامت دول على هذا المذهب تعدّ بمئات الملايين من البشر.

وانتشرت هذه المقولة في كل مكان، وألفت فيها كتب، وأصبح لها فلسفة تدرس، وحاول أصحابها أن يسموها بالمنهج العلمي، ويدللوا عليها.

من أجل ذلك كان لا بدّ أن نتوسع شيئًا ما في الاستدلال على هذه القضية.

? الدليل العقلي: المخلوق لا بدّ له من خالق

يحتجّ القرآن على المكذّبين المنكرين بحجة لا بدّ للعقول من الإقرار بها، ولا يجوز في منطق العقل السليم رفضها، يقول تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [الطور: 35 - 36).

يقول لهم: أنتم موجودون هذه حقيقة لا تنكرونها، وكذلك السماوات والأرض موجودتان، ولا شك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت