رابعها: في المنظور التاريخي لوجود مملكة بني إسرائيل على أرض فلسطين، يسجل"روجيه جارودي"رأيه فيقول:"منذ ثلاثة آلاف عام، تكونت - نتيجة لغزوة من غزوات أخرى كثيرة مملكة مؤقتة عابرة، لم تستمر سيطرتها سوى (73) عاما، ولم يكن لها قط تجانس يقوم على أساس جنسية واحدة، ولا اهتمت هي بمثل ذلك التجانس. ثم أدت تقلبات التاريخ إلى انهيار هذه الدولة، فكان مصيرها مصير كل الامبراطوريات وكل الممالك. فجميع الغزاة الذين وفدوا على بلد ورفضوا الاندماج في أهله، كان مصيرهم الطرد مثل الصليبيين. فمن وجهة النظر التاريخية يتضح أنه ليس للمتعصبين من دعاة الصهيونية حقوق تاريخية في فلسطين أكثر مما كان للصليبين" [1] .
يثير كلام"جارودي"قضايا مهمة تتعلق بطبيعة المملكة التي أقيمت على أرض فلسطين من لدن اليهود، فمن الناحية الزمنية كانت مدتها (73) سنة، وهي مدة وجيزة للغاية في عمر الأمم والممالك، كما أنها افتقدت التجانس الشعبي بين اليهود أنفسهم، حيث كان بينهم صراعات عديدة، وبين اليهود والسكان المقيمين على أرض فلسطين، وربما يعود هذا إلى طبيعة اليهود أنفسهم في كراهيتهم الاندماج، وخسة طباعهم التي تجعلهم منبوذين من سكان فلسطين، وكذلك في كثير من البلاد الأخرى؛ ولطبيعة المفاهيم اليهودية التي تجعل اليهود شعب الله المختار، وترفعهم فوق الشعوب الأخرى، ناهيك عن كون اليهودية صارت ديانة عنصرية مغلقة على الشعب اليهودي، في مخالفة لأي ديانة أخرى تبغي التمدد والانتشار بين الناس؛ وهذا كله، مع قصر المدة الزمنية، لا يمكن أن يجعل مملكة اليهود راسخة مستقرة: حضارة وآثارا وعقيدة.
كذلك يشير"جارودي"إلى أن هناك صراعًا دينيًا دار على أرض فلسطين، وهو الغزوة الصليبية الكبرى التي استمرت مئتي سنة، وتم فيها تأسيس ممالك صليبية عدة، واحتلال بيت المقدس، تحت دعاوى دينية نصرانية أبرزها: حماية المقدسات النصرانية ونجدتها من المسلمين، ومع ذلك تنتهي الغزوات باندحار مختلف الحملات الصليبية، وينتهي الوجود الصليبي تماما في هذه البقعة المباركة. يكون السؤال: إذا كان لليهود مقدسات في بيت المقدس وهي مجرد مزاعم
(1) ملف إسرائيل (دراسة للصهيونية السياسية) ، روجيه جارودي، ترجمة: د. مصطفى كامل فوده، دار الشروق، القاهرة، ط 2، 1404 هـ، 1984 م، ص 65.