الصفحة 34 من 66

ثالثها: إن الدعوة المتقدمة بفصل الآثار عن التوراة، تحمل في طياتها إبقاء المزاعم الدينية الخرافية على المستوى النظري، وهذا يعني إفلاسا واضحا لعلماء الآثار اليهود، وأيضا تجنبا لمواجهة مع سائر العلماء في الأرض، وبالتالي يصبح النقاش مفتوحا على معطيات توراتية، لا نعلم صحتها وهم مختلفون حولها، وتكون بالتالي ضمن دائرة البحث الديني، وهذا مردود عليه في المصدر الإسلامي الأساسي (القرآن الكريم) الذي لا يختلف أحد على صحته، وقوة سنده وتواتره.

كما أن كتابة التاريخ الإسرائيلي على أرض فلسطين كان عملا سياسيا، اعتمد على"نصوص منحازة"وركزت الدراسات التاريخية المستندة على التوراة على اختلاق كيان هو"إسرائيل القديمة"بينما تجاهلت حقيقة شعب عاش مستقرا على الأرض الفلسطينية آلاف السنين بشكله المتكامل، كما نبّه كثير من الباحثين والمعلقين على أن الخطاب الاستعماري ذاته ساهم في تشكيل الخطابات القومية التي نشأت لمجابهة هذا الاستعمار من قبل الشعوب المستعمرَة [1] .

وهذه نقطة مهمة، وتتصل بتصورنا لتاريخنا القديم (ما قبل الإسلام) حيث تولت كتابته والبحث فيه دوائر المستشرقين، وهؤلاء انطلقوا من رؤى منحازة ضدنا، ووضعوا تصوراتهم وقناعاتهم على تاريخنا. وكانت عملية اختلاق التاريخ اليهودي نموذجا صارخا على سيطرة الأسطورة والخرافة على الواقع والحقيقة، والمثال الأول على ذلك: هيكل سليمان، والمثال الثاني الذي يعضد هذه الفرضية أسطورة قلعة"مساداة"وهي قلعة كانت تقع أعلى قمة صخرية عند البحر الميت، وفي أثناء التمرد اليهودي ضد الامبراطورية الرومانية، حاصر الرومان القلعة من كل الجهات لعدة سنوات حتى أقنع القائد اليهودي رفاقه بالقيام بعملية انتحار جماعي بدلا من الوقوع في أسر الرومان. ولكن هذه القصة أثارت شكوكا لدى العديد من المؤرخين الذين أعلنوا أن قصة"مساداة"خرافة وأسطورة. وسعى الباحث"يادين"إلى التنقيب عن موقع القلعة كما وردت في القصة، ولكنه لم يجد لها أثرا مطلقا. مما دفع الكاتب الإسرائيلي"أ. ب. يهوشوع"إلى أن يعقب على فشل العثور على أثر للمساداة بقوله:"لم تعد المساداة هي الجبل التاريخي بالقرب من البحر الميت، بل إنه جبل متنقل نحمله فوق ظهورنا أينما ذهبنا" [2] أي خرافة يرددونها دون سند من حقيقة تاريخية أو أثرية.

(1) انظر: اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني، م س، ص 44.، 45.

(2) انظر: اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني، م س، ص 48، 49، 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت