والنموذج القديم الذي ينبغي أن يحاكى ويحتذى، وفق هذا المنظور، مائل هناك في الماضي ومتمثل في النص الجاهلي. تماما كما فعل هوراس الروماني مع النص الإغريقي، حين اعتبره النموذج الأعلى للمحاكاة والاحتذاء. هوإذن صراع بين الثبات والتحول، بين تكريس البنيات السوسيوثقافية والجمود عليها وخلخلة هذه البنيات واختراقها وصولا إلى الخبيء والمنشود. وقد كان عمود الشعر الذي أقام المرزوقي دعائمه النهائية، معادلا لعمود السياسة ومدعما له. كلاهما سلطة آمرة وملزمة، وكلاهما قوام الشيء الذي لا يدوم إلا به ...
وعلى الرغم من المحاولات الدائبة التي قام بها دعاة التجديد والابتداع لزعزعة هذا"العمود الحديدي"، إلا أن رسوخه كان أقوى من محاولاتهم وطموحاتهم وكانوا مضطرين، آخر المطاف، إلى أن يعودوا ليستظلوا بسقفه ويطوفوا حوله. ذلك أن البنية السوسيوثقافية كانت قد تشكلت واتخذت صيغتها النهائية منذ صعود الخلافة الأموية، وظلت محتفظة بصيغتها هذه حتى سقوط الخلافة العثمانية.
ولم تتخلخل هذه البنية بعمق وتفقد توازنها إلا بعد الصدمة الكولونيالية والإمبريالية الحديثة بدءا من دوي مدافع نابليون، إلى الدوي الأشد لمدافع متعددة الجنسيات والطلقات.