كل من كان من الفرقة الناجية هو من أهل العلم بعامَّة، بلْه من أهل العلم بالحديث بخاصَّة، ألا ترى أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هم الذين يمثلون الفرقة الناجية، ولذلك أُمرنا بأن نتمسك بكما كانوا عليه، ومع ذلك فلم يكونوا جميعًا علماء، بل كان جمهورهم تابعًا لعلمائهم؟ فبيْن (الطائفة) و (الفِرقة) عمومٌ وخصوص ظاهران، ولكنِّي مع ذلك لا أرى كبير فائدة من الأخذ والرد في هذه القضية حرصًا على الدعوة ووحدة الكلمة. [1]
-فساد مقولة «ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك!»
قال الشيخ الألباني:
ومما ينكر في هذا الحديث قوله: ما أبكي شوقًا إلى جنتك ولا خوفًا من النار! فإنها فلسفة صوفية اشتهرت بها «رابعة العدوية» إن صحَّ ذلك عنها، فقد ذكروا أنها كانت تقول في مناجاتها «ربِّ ما عبدتك طمعًا في جنتك ولا خوفًا من نارك» ، وهذا كلام لا يصدر إلا ممن لم يعرف الله- تبارك وتعالى -حقَّ معرفته، ولا شعر بعظمته وجلاله، ولا بجوده وكرمه، وإلا لتعبَّده طمعًا فيما عنده من نعيم مقيم، ومن ذلك رؤيته- تبارك وتعالى -، وخوفًا مما أعدَّه للعصاة والكفار من الجحيم والعذاب الأليم، ومن ذلك حرمانهم النظر إليه كما قال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15] ، ولذلك كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم العارفون بالله حقًّا لا يناجونه بمثل هذه الكلمات الخيالية، بل يعبدونه طمعًا في جنَّته، وكيف لا وفيها أعلى ما تسمو إليه النفس المؤمنة، وهو النظر إليه - سبحانه -، ورهبةً من ناره، ولِمَ لا وذلك يستلزم حرمانهم من ذلك، ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر نخبةً من الأنبياء: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] ، ولذلك كان نبيُّنا محمَّد -صلى الله عليه وسلم- أخشى الناس لله، كما ثبت في غير ما حديث صحيح عنه.
هذه كلمة سريعة حول تلك الجملة العدوية، التي افتتن بها كثير من الخاصة فضلًا عن العامة، وهي في الواقع {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء} [النور:39] ، وكنتُ قرأتُ حولها بحثًا فيَّاضًا ممتعًا في «تفسير العلاَّمة ابن باديس» فليراجعه من شاء زيادة بيان. [2]
(1) السلسلة الصحيحة (270) .
(2) السلسلة الضعيفة (حديث رقم 998) .