الصفحة 4 من 56

وقد حدَّث هو عن ذلك قائلًا: «إن نعم الله علي كثيرة لا أحصي لها عددًا، ولعلَّ من أهمها اثنتين: هجرة والدي إلى الشَّام، ثم تعليمه إياي مهنة تصليح السَّاعات.

أما الأولى: فقد يسرت لي تعلُّم العربية، ولو ظللت في ألبانيا لما تعلَّمت منها حرفًا، ولا سبيل إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا عن طريق العربية.

وأما الثانية: فقد قيضت لي فراغًا من الوقت، أملؤه بطلب العلم، وأتاحت لي فرصة التردُّد على المكتبة الظاهريَّة وغيرها ساعات من كل يوم».

ونذكر في ذلك حادثتين:

«الأولى» : أنه أصيب في عينه أيامه الأولى في الشام، وطلب منه الطبيب أن يمكث شهرًا لا يعمل بمهنة الساعات، ولا يقرأ شيئًا! فمكث أيامًا، ثم أصابه الملل، فطلب من بعض إخوانه أن ينسخ له من المكتبة الظاهرية في دمشق كتاب «ذم الملاهي» لابن أبي الدنيا.

فنسخ الناسخ حتى وصل إلى مكان فيه ورقة ضائعة، قطعت اتصال الكلام، فلما أخبر الشيخ بذلك طلب إليه الشيخ أن يستمر بالنسخ، فلما فرغ الناسخ وانتهت مدة العلاج؛ ذهب الشيخ يبحث عن تلك الورقة الضائعة في المكتبة الظاهرية، فظل الشيخ ينقب عن تلك الورقة، فلم يجدها، وفي تلك الأثناء كان يدون الأحاديث التي يقف عليها في المخطوطات، حتى دوَّن أكثر من أربعين مجلدًا من الأحاديث بخط يده!! وكان عدد المخطوطات آنذلك حوالي عشرة آلاف مخطوطة!!

«الثانية» : وقد بلغت الهمة والجلَد عند الشيخ - رحمه الله - أنه كان ينسى معهما الطعام والشراب، فكان يأتي إلى مكتبة الظاهرية قبل موظفيها، ويخرج بعدهم!!

ويأتيه أهله بطعام الإفطار، فيظل على ما هو عليه إلى موعد الغداء، فيؤخذ طعام الإفطار ويوضع طعام الغداء! وهكذا مع العَشاء.

وقد ظل الشيخ الإمام - رحمه الله - على هذه الهمة إلى أن توفاه الله، فإذا كان يعجز عن البحث قرأ، فإذا عجز عن القراءة قُرِأ عليه.

ومن رأى همة الشيخ ونشاطه قبل مرضه الأخير لم يفرق بين أول حياته وبين هذه الأيام.

وإذا قيل للشيخ في رحلاته أن يرتاح، قال: إن راحتي في الكلام والبيان!! لا في السكوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت