وإنما أوردتُ هذا لما عُني به أهل بلدنا من طلب معنىً يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلفهم في تعسف التأويل ما لا يسوغ، ومحمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله وإن كان من أعلم الناس بصحيح الحديث وسقيمه؛ فليس ذلك من علم المعاني وتحقيق الألفاظ وتمييزها بسبيل، فكيف وقد رَوى أبو إسحاق المستملي العلة في ذلك، وبينها: إنَّ الحديث الذي يلي الترجمة ليس بموضوع لها ليأتي قبل ذلك بترجمته، ويأتي بالترجمة التي قبله من الحديث بما يليق بها أهـ.
قلت: نقل ابن رشيد إسناد أبي الوليد، ثم قال: ثم أتبع أبو الوليد هذا الكلام بما كان الواجب عليه تركه أهـ [1] .
أما الخبر الذي ذكره الباجي فشيء تفرد به عن أبي ذر الهروي، وأنا أراه في ذلك واهمًا والله أعلم، وروايته هذا الخبر عن أبي ذر من قبيل الشاذ الذي لا يعول عليه، وذلك لأمور ستتضح لك قريبًا بإذن الله، فتريث.
فأول ذلك ما ذكرناه من تفرد أبي الوليد الباجي بهذا الخبر عن أبي ذر، مع حاجة الناس إليه، ومن الرواة عن أبي ذر من تصدى لشرح مناسبة تراجمه، ولم يشر الى مثل هذا، كالإمام الفقيه القاضي المهلب بن أبي صفرة، شيخ المالكية في زمانه، بل شيخ الأندلس كله، وقد مر نعيه على من لم يفقه هذه التراجم.
ثم تفرد المستملي بهذه القصة كذلك دون سائر الرواة عن الفربري، وأغلبهم أوثق منه، كأبي زيد المروزي أجل الرواة عن الفربري، وغيره.
(1) إفادة النصيح ص 26.