الصفحة 9 من 39

يقم عليهم الحجة، بل هو نوع من الجهاد المشمول في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" [1] .

قال ابن القيم في قصة وفد نصارى نجران وما اشتملت عليه من فوائد ما نصه: (( ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة عليهم ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة فليول ذلك إلى أهله وليخل بين المطي وحاديها والقوس وباريها ) ) [2] .

ثم عمد السلف الصالح في الحوار إلى تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ ففعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم, كابن عباس رضي الله عنهما لما جادل الخوارج والحرورية, ورجع منهم خلق كثير إلى سبيل المؤمنين، وكعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه؛ فإنه جادل الخوارج أيضا ..

والحوار قد يكون فرض عين إذا تعين على شخص ما الدفاع عن الحق، وقد يكون فرض كفاية؛ بأن يكون في الأمة من يدافع عن الحق بالأسلوب السليم، قال ابن العربي رحمه الله تعالى: (( قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران آية 110] دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية , ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة الحجة على المخالفين, وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال ) ) [3] .

ثانيًا: الحوار المذموم: هو كل جدل بالباطل, أو يستهدف الباطل, أو يفضي إليه, أو كان القصد منه التعالي على الخصم والغلبة عليه, أو كل حوار يؤدي إلى الشقاق والنزاع، واتُّخذ وسيلة لرفض الحق وأهله، فهذا ممنوع شرعا , ويتأكد تحريمه إذا قلب الباطل حقا, أو الحق باطلا، أو كان الطرف الآخر سيء القصد.

وقد يكون الجدل مكروها إذا كان القصد منه مجرد الظهور والغلبة في الخصومة.

وعليه يحمل ما ورد من آيات وأحاديث في ذم الحوار والجدال كقوله تعالى: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف آية 58] ، وكقوله تعالى: {وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة آية 197] ، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عليه إلا أُوتُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ تَلا

(1) رواه أبو داود وغيره عن أنسٍ رضي الله عنه، سنن أبي داود رقم 2504، ج 3/ص 10،باب كراهية ترك الغزو، سنن النسائي الكبرى، رقم 4304،ج 3/ص 6، كتاب الجهاد، وجوب الجهاد، بلفظ:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم"، وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج 2/ص 81، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

(2) زاد المعاد ج 3/ص 639، وينظر فتح الباري ج 8/ص 95.

(3) أحكام القرآن لابن العربي 1/ 383.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت