الحمد لله القائل: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل آية 125] .
الحمد لله المنفرد بالحكم والتدبير, الذي فرض أحكامًا على العباد, وفتح باب الحوار بينهم لفهم مراد الشرع، وطريقًا للدعوة والهدى والرشاد، فله الحمد وله الشكر بكل لسان, ومن كل ملك وجن وإنسان, وصلوات الله التي لا تحصى عددًا, وسلامه الذي لا ينقضي أمدًا، على سيدنا ومولانا محمد وعلى صحابته وعلى آل بيته.
أما بعد:
فإن الحوار في الدين, هو من بمنزلة اللسان من سائر الأعضاء, الناطق الرسمي عنها، فبه يفهمك الآخرون، وتفهم الآخرين، وآدابه من أجل الآداب المرعية في الوصول إلى الحقائق ومعرفة الطرائق، لأن الحاجة إلى الحوار ضرورة ملحة في دعوة المسلمين وغير المسلمين في تحقيق الوصول إلى سبيل الهداية، لقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الطرق، وضرب أروع الأخلاق في الحوار مع المسلمين وغير المسلمين؛ لأنه مطلب إلهي أوصى به الله رسوله صلى الله عليه وسلم في كثير من الآيات القرآنية العظيمة، والتي من بينها قوله تعالى السابق: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
من هنا اهتم الإسلام بالحوار اهتمامًا كبيرًا، وذلك لأن الإسلام يرى بأن الطبيعة الإنسانية ميالة بطبعها وفطرتها إلى الحوار، أو الجدال كما يطلق عليه القرآن
الكريم في وصفه للإنسان: {وَكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا} [الكهف آية 54] ، غير أن للحوار أصولا متبعة، وللحديث مع الآخر قواعد ينبغي مراعاتها، ويجب على من يريد المشاركة في أي حوار أن يكون ذا دراية تامة بأصول الحوار المتبعة؛ لينجح بحول الله في مسعاه، ويحقق ما يرمي إليه.
أ_ أهمية البحث وأهدافه في الأحكام الفقهية في الحوار:
تظهر أهمية البحث في الحوار في أمور من أهمها:
1_ إن غياب الكثير من الأحكام الفقهية حول الحوار جعل بعض الناس يشتط في مناقشاته مع الآخرين ناسيًا الآداب والأحكام الفقهية التي أمره الله تعالى بها لجهله بها، ولربما لو عرف حدود الشرع لما بَعُد به الدرب، بل أدى في بعض الأحيان إلى جنوح المسلم عن طريق الالتزام بالدين، بل وربما جنوح غير المسلم عن طريق الهداية.
قال ابن خلدون رحمه الله تعالى: (( لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعا وكل واحد من المتناظرين في