المبحث الثاني
آداب الحوار وضوابطه مع الآخر
إن أسلوب الحوار والمناقشة هو من أبرز الأساليب الحكيمة والبليغة التي استعملها القرآن الكريم والرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أجل الوصول إلى الحقائق عن اقتناع عقلي وارتياح نفسي، ولعل من الأدلة على ذلك: أن مادة (( القول ) )وما اشتق منها كقال، يقول، وقل، ويقولون .... هذه المادة التي تدل على الحوار والمراجعة بين الناس في أمور معينة قد تكررت في القرآن الكريم أكثر من ألف وسبعمائة مرة [1] .
كما لا يخفى على متبصر ما في السنة النبوية من حوارات دارت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وغير المسلمين.
والقرآن ذكر لنا نماذج كثيرة عن الحوار، من خلالها تستطيع معرفة الآداب المتعلقة به والأخلاق التي يجب أن يلتزم بها كل من يتحاور، وقبل بيان الآداب الشرعية في أثناء الحوار، يجدر بالباحث ذكر الآداب الشرعية التي يحسن بالمحاور أن يمتلكها قبل عملية الحوار، وإليك بيانها:
تنمية مهارة الحوار قبل البدء به:
يندب للمحاور قبل البدء بالحوار مع الآخرين تنمية قدراته في الحوار، وهذا ما دأبت عليه المدارس الدينية، إذ إنها تعمل على تنمية مهارة الطلاب في الحوار وفق منهج إسلامي، وهذا الندب ليس له دليل خاص، إنما تدل عليه القواعد العامة للدين، كقاعدة جلب المصالح، لقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة آية 7] ، وتهيأة المسلم نفسه لمحاورة الآخرين بغية الوصول إلى الحق هو من الخير المأجور عليه؛ لأن الله تعالى كما تعبدنا بالشرائع تعبدنا بالوسائل، والقاعدة الشرعية تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن أهم الأمور التي يحث عليها المنهج الإسلامي لتنمية الحوار ما يلي:
1_ التدرب على فن الخطابة وإلقاء المحاضرات؛ ففي الحوار يكون المحاور كالخطيب؛ يعرض فكره على الناس ويرتب أولويات الحديث، ويأتي بالأدلة لبيان الحجة.
2_ أن يتدرب على فن الإلقاء بحيث يتميز بالصوت الواضح، والنبرات القوية المتميزة المعبرة، بأن يخرج الحروف من مخارجها، ويستعين على ذلك بأن يتعلم تجويد القرآن الكريم.
(1) أدب الحوارفي الإسلام للدكتور محمد سيد طنطاوي ص 3، ويراجع المعجم المفرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي من 554 فما بعدها.