حقه حرم التعدي عليه بأي وجه، ومن كان ديدنه التعنت والتكبر على الحقائق جاز استخدام أساليب أخرى لرده عن ضلاله، ولا إكراه في الدين.
المبحث الثالث
المنطلقات المكروهة في الحوار صور مشرقة لحوار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع غير المسلم
هناك منطلقات للحوار ذمها الشرع الحنيف بوجه عام، لكن تزيد كراهتها عندما يركزها الإنسان في نفسه لأجل جعلها منطلقا لكل محاوراته، فإذا تربى المرء على تلك المنطلقات انمحت عنه الصفة العلمية وحرم من الوصول إلى الحقائق، وقبل البدء بذكر أهم تلك المنطلقات أنبه على أن مخالفة الآداب السابقة للحوار ومعارضتها هو من الخالفات الشرعية، ومن المنطلقات المكروهة:
المنطلق الأول: الجهل بالموضوع المحاور فيه، أو الحوار في الباطل:
لقد عد العلماء الحوار في الباطل أو الحوار في الدين مع الجهل في الموضوع المحاوَر فيه من الكبائر؛ لما فيه من المفاسد العظيمة، وخاصة إذا كان هناك ثمة فائدة للآخرين يريد أخذها بالباطل؛ لقول الله تعالى: {ولاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء آية 36] [1] .
وقال الله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة آية 188] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (( هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، فيخاصمهم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل حراما ) ) [2] .
قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: (( الكبيرة الثلاثون والحادية والثانية والثالثة والرابعة والثلاثون بعد الأربعمائة: الخصومة بباطل أو بغير علم كوكلاء القاضي، أو لطلب حق لكن مع إظهار لدد، وكذب لإيذاء الخصم، والتسلط عليه والخصومة لمحض العناد، بقصد قهر الخصم وكسره والمراء والجدال المذموم، قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة آية 204] [3] .
(1) يراجع إعلام الموقعين عن رب العالمين 4/ 309، الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسدية لمحمد بن محمد الخادمي 3/ 209، شرح الكوكب المنير ص 622، فيض القدير ج 6/ص 111، مناهج البحث وآداب الحوار والمناظرة للدكتور فرج الله عبد الباري ص 135.
(2) تفسير الطبري ج 2/ص 183، وينظر أحكام القرآن لابن العربي 1/ 202.
(3) ينظر الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي ص 316.