الصفحة 25 من 39

الأدب الحادي عشر: قبول النتائج التي يتوصل إليها [1] :

وأخيرا من أهم الضوابط في أدب الحوار أن يقبل المتجادلان النتائج التي توصل إليها المتحاورون بالأدلة القاطعة أو المرجحة، وإلا كان حوارهم عبثا لا يرضى به الشارع الحنيف.

وهذا ما حث عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودأب عليه السلف الصالح، ويشهد لهذا ما رواه مسلم رحمه الله تعالى عنَ ثَوْبَانَ مولى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال كنت قَائِمًا عِنْدَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ حِبْرٌ من أَحْبَارِ الْيَهُودِ فقال: السَّلامُ عَلَيْكَ يا محمد، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ منها.

فقال: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فقلت: ألا تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

فقال الْيَهُودِيُّ: إنما نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الذي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ.

فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اسمى مُحَمَّدٌ الذي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي.

فقال الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ؟

فقال له رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إن حَدَّثْتُكَ؟ ... [2]

وهنا أراد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودي صراحة قبول النتائج التي يتوصل إليها حتى يثمر اللقاء، ولما ظن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القبول بالنتائج المتوصل إليها دخل معه الحوار، هذا يرشدنا إلى أن للحوار مع غير المسلم شروطا، إليك بيانها في العنوان الآتي.

شروط الحوار مع غير المسلم [3] :

إذا كان المحاوَر غير مسلم فيلزم في حقه الالتزام بجميع آداب الحوار السابقة، والعمل بخلاف تلك الآداب من التنفير المنهي عنه شرعا، فديننا انتشر بأخلاقه، ولم ينتشر بسيفه، بل كان السيف وسيلة لنشر الأخلاق وتبليغ دين الله تعالى، من هنا قرر الشرع أن الشرط الأهم في حوار غير المسلم عدم الظلم، لقول الله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت آية 46] ، والمعنى أن الذين ظلموا منهم لا يجادلون بل ينتقل معهم إلى القتال، أو أن الذين ظلموا منهم يجادلون مع الإغلاظ عليهم، كما فعل ثوبان مع اليهودي في حديث مسلم السابق؛ لأنه لمس من اليهودي التعنت، وقلة الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمخاطبته باسمه، فدفعه دفعة كاد يصرع بها، وهذا مرده إلى المصلحة، فمن تعين اللطف في

(1) مناهج البحث وآداب الحوار والمناظرة للدكتور فرج الله عبد الباري ص 135.

(2) سيأتي الحديث بطوله مع التخريخ في الفصل الآتي.

(3) يراجع تفسير الطبري ج 21/ص 2، الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة ص 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت