وروى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن عَائِشَةَ رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إلى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ ) ) [1] .
وروى البخاري رحمه الله تعالى في بَاب إِثْمِ من خَاصَمَ في بَاطِلٍ وهو يَعْلَمُهُ، عن عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبي صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهَا عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سمع خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فقال: (( إنما أنا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ من بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ له بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ له بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ من النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أو فَلْيَتْرُكْهَا ) ) [2] .
المنطلق الثاني: كراهة الفحش والبذاءة أثناء الرد على الطرف الآخر:
منع الإسلام البذاءة في الكلام مع الطرف المحاور، لما فيها من زرع الشقاق واتساع الهوة بين المتحاورين، وإنما جاء الإسلام للم الشمل وتوحيد الكلمة وإيصال الناس إلى الحق والهدى، ومع الكلام السيئ تتأذى النفوس، وربما حملت العداوة على الطرف الآخر، ويدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالت: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أُنَاسٌ من الْيَهُودِ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يا أَبَا الْقَاسِمِ.
قال: وَعَلَيْكُمْ.
قالت عَائِشَةُ: قلت: بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَالذَّامُ.
فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يا عَائِشَةُ لا تَكُونِي فَاحِشَةً.
فقالت: ما سَمِعْتَ ما قالوا؟!
فقال: أو ليس قد رَدَدْتُ عليهم الذي قالوا؟!
قلت: وَعَلَيْكُمْ [3] .
هذا الحديث يدل على علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أسيء إليه، ومقابلة تلك الإساءة بالحلم، بل سمى رسول الله صلى عليه وسلم رد الإساءة بإساءة أكبر منها بالفاحشة، ولم يرتض الرد على الإساءة من أصله، ولعل رد عائشة رضي الله تعالى عنها بذلك الرد قطع عليهم باقي الحوار، (أو أن الراوي اقتصر على ما ذكر عن
(1) صحيح البخاري رقم 2325 ج 2/ص 867، بَاب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وهو أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة آية 204] ، صحيح مسلم، رقم 2668، ج 4/ص 2054، بَاب في الأَلَدِّ الْخَصِمِ.
(2) صحيح البخاري رقم 2326، ج 2/ص 867.
(3) صحيح البخاري ج 5/ص رقم 5678، بَاب الرِّفْقِ في الْأَمْرِ كُلِّهِ. صحيح مسلم، واللفظ له رقم 2165،ج 4/ص 1706، بَاب النَّهْيِ عن ابْتِدَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالسَّلامِ وَكَيْفَ يُرَدُّ عليهم.