السيدة عائشة رضي الله عنها)؛ لأن اليهود دخلوا بيت رسول الله صلى الله عيه وسلم كما يفهم من روايات أخرى، وفي العادة فإن مجيء مثل هؤلاء إنما يكون للحوار والمناقشة.
ولا يقتصر الفحش على القول بل يشمل الفعل وربما الإشارة، فكل ذلك مما لا يليق بحال المسلم.
المنطلق الثالث: التقليد الأعمى، أو التعصب لرأيه أو رأي الآخر:
ومن المنطلقات المكروهة في الحوار التقليد الأعمى بالتمسك بمنطلقات الغير دون دليل أو برهان، حرصا على المنافع الخاصة، والانقياد للهوى وللأنانية ..
فأنت تجد كثيرًا من آيات القرآن الكريم تنعى على الغافلين والجاهلين والضالين في تقليدهم سواهم من الآباء أوالرؤساء [1] .
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} . [البقرة آية 170] .
فعندما حاور الأنبياء بعض أقوامهم حيث أمروهم باتباع ما أنزل الله تعالى، قالوا لهم بسفاهة وعناد: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام، فيرد عليهم القرآن الكريم بأسلوبه الساخر من التقليد الأعمى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} .
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ (أي على دين وطريقة) وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف آية 23] .
ومن الآيات التي قررت هذه الحقيقة قوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} . [الأنعام آية 33] .
روى الطبري رحمه الله تعالى عن السدي أنه قال: (( لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة يا بني زهرة إن محمدا بن أختكم فأنتم أحق من كف عنه فإنه إن كان نبيا لم تقاتلونه اليوم وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن بن أخته قفوا ها هنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غلب محمد صلى الله عليه وسلم رجعتم سالمين وإن غلب محمد فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئا فيؤمئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبي، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ها هنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} . [الأنعام آية 33] .فآيات الله محمد صلى الله عليه وسلم ) ) [2] .
(1) يراجع جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله لابن عبد البر النمري ص 437.
(2) تفسير الطبري ج 7/ص 182، تفسير ابن كثير ج 2/ص 131.