الصفحة 8 من 39

فقد روى أبو داود وغيره رحمه الله تعالى عن أنسٍ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" [1] .

والحوار مع أهل الأهواء لأجل الدين جهاد، لأنه من جهاد اللسان الوارد في الحديث بتبيان الحق بالحجة والبرهان، قال النفراوي رحمه الله تعالى: (( إذا وجدت تلك الآداب أفادت المناظرة خمس خصال: إيضاح الحجة , وإبطال الشبهة, ورد المخطئ للصواب والضال إلى الرشاد, والزائغ إلى صحة الاعتقاد مع الذهاب إلى التعليم, وطلب التحقيق ) ) [2] .

(( فمعرفة هذا العلم لا يستغني عنها ناظر, ولا يتمشى بدونها كلام مناظر; لأن به تتبين صحة الدليل من فساده, تحريرا وتقريرا ... ، وإنما المراسم الجدلية تفصل بين الحق والباطل، وتبين المستقيم من السقيم، فمن لم يحط بها علما كان في مناظراته كحاطب ليل ) ) [3] .

أنواع الحوار وحكم العمل به:

للحوار نوعان وذلك بحسب الهدف الذي يرمي إليه؛ حوار محمود وحوار مذموم [4] :

أولا: الحوار المحمود: فإذا قصد المحاور بالحوار الدفاع عن الحق وبيانه، أو الدعوة إليه، ورد الباطل كان الحوار محمودًا، وكان حواره من أعظم الطاعات في الدين، وقال بجوازه جمهور العلماء، قال الرازي المفسر رحمه الله تعالى: (( وأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا الجدال في الدين طاعة عظيمة، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} [النحل آية 125] ، وبقوله تعالى حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام: {قَالُوا يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود آية 32] ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين ) ) [5] .

والمجادلة بالحق من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع الأمم عند الدعوة; لأنه لو قابلهم الأنبياء بغلظة لنفرت طباعهم وانصرفت عقولهم عن التدبر لما قالوا, والتدبر لما جاؤا به من البينات, فلم تتضح لهم المحجة ولم

(1) رواه أبو داود وغيره عن أنسٍ رضي الله عنه، سنن أبي داود رقم 2504، ج 3/ص 10، باب كراهية ترك الغزو، سنن النسائي الكبرى، رقم 4304،ج 3/ص 6، كتاب الجهاد، وجوب الجهاد، بلفظ:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم"، وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج 2/ص 81، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

(2) الفواكه الدواني ص 108.

(3) شرح الكوكب المنير ص 578.

(4) التفسير الكبير للرازي ج 5/ص 143، حاشية العدوي 1/ 124، الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي ص 318، شرح الكوكب المنير لأبي البقاء الفتوحي ص 577، 579، بريقة محمودية لمحمد الخادمي 3/ 208، المحلى 7/ 196، الموسوعة الفقهية الكويتية 15/ 126، 127، مناهج البحث وآداب الحوار والمناظرة للدكتور فرج الله عبد الباري ص 129، الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة ص 97.

(5) التفسير الكبير ج 5/ص 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت