وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( واستقم ) )إشارة إلى أمور كثيرة وأولها: الائتمار بالأوامر الإلهية، وثانيها: اجتناب المعاصي.
هذا ودل الحديث على أنه يستحسن للمحاور في جوابه: أن يستخدم وسيلة تعليمية إن كانت حاضرة لديه، فقد أمسك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلسانه ثم قال: (( هذا ) )فهذا الجواب بالإشارة أبلغ من الجواب بالتصريح، فضلًا عن كونه مختصرًا.
الأدب التاسع: اغتنام المحاور المناسبات والمواقف للوصول إلى الغايات المنشودة:
ندب الإسلام إلى الحوار المنطلق من أرض الواقع، بعيدًا عن الخيال، بحيث تنبع القناعة عن واقع مشاهد، يستفيد منه المتحاورون النتائج الإيجابية.
ويدل على هذا مواقف كثيرة للنبي صلى الله عليه سلم، منها:
أ_ ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفتيه [1] فمرَّ بجدي ميت أسَكٍ [2] فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: (( أيكم يُحب أن هذا له بدرهم ) ).
قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟
قال: (( أَتُحبونَ أنه لكم؟ ) ).
قالوا: والله لو كان حيًا كان هذا السكك عيبًا فيه، لأنه أسك فكيف وهو ميت؟!
فقال: (( فوالله للدنيا أهونُ على اللهِ من هذا عليكم ) ) [3] .
ب_ وروى الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبيٌ [4] فإذا امرأة من السبي تَحَلبَ ثديها [5] تسعى [6] إذ وجدت صبيًا لها في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته.
فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (( أترون [7] هذه طارحة ولدها في النار؟ ) ).
قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه [8] .
(1) أي جانبيه.
(2) أي صغير الأذنين.
(3) صحيح مسلم في كتاب الزهد والرقائق 4/ 2272، رقم 2975.
(4) السبي: الأسرى وكان هذا السبي سبي هوازن. .
(5) أي سال حليب ثديها.
(6) أي تمشي بسرعة باحثة عن رضيعها الذي ذهب منها ..
(7) أتظنون ..
(8) أي لا تطرحه ما دامت تقدر على حفظه معها.