2_ إذا كان الأدب في الحوار مطلوبا مع الكافر الجاحد كإبليس وأمثاله، فهو مطلوب بدرجة أكبر مع أصحاب الديانات كاليهود والنصارى وغيرهم، لأنه قد يكون فساد العقيدة عندهم لا من جحودهم وتكبرهم، بل من شبهة علقت بهم، أضلتهم عن طريق الهداية الإيمانية، وبينا وبين اليهود والنصارى قاسم مشترك وهو الإيمان بوجود الله تعالى، غير أنهم أشركوا مع الله تعالى إلهًا آخر.
ثم أقول ثانية: إذا كان أدب الحوار مطلوبا مع أصحاب الديانات فهو مطلوب بشدة مع أصحاب الدين الواحد، وهم المسلمون، لوجود روابط إيمانية كثيرة تجمعهم في بوتقة واحدة؛ منها توحيد الله تعالى، ومنها الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنها القبلة والإيمان باليوم الآخر وغير ذلك.
فيا عجبًا لكثير من المسلمين اليوم، قد قلبوا الأمور؛ ترى أسوأ حواراتهم مع إخوانهم المسلمين!!
إن مشكلتنا في العالم الإسلامي أخلاقية أكثر ما هي علمية، لأننا لا نملك صدرًا محمديًا يستوعب الآخرين ...
رفضنا رأي المخالف لنا؛ لأننا لا نملك الرحمة المحمدية، مع أن الخلاف في الفروع جائز في الدين ... ، بل هو مراد للشارع الحنيف ... إن التمثل بآداب الحوار أول الطريق لتوحيد كلمة المسلمين.
الأدب الثامن: استخدام المحاور عند طرح السؤال المحاكمة العقلية مع التلطف بالطرف الآخر [1] :
يستحب للمحاور أثناء حواره أن يستخدم في حواره المحاكمة العقلية، إذ ينطلق من الثوابت والحقائق والقيم الأخلاقية المستقرة في ذهن الآخر ليستخلص بطريق السؤال النتائج الإيجابية، وهذا من أخلاق النبي الكريم سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه إذ إنه ينطلق في حوارته من ثوابت وقيم الطرف الآخر.
ويدل على هذا ما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: إن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا؟!
فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه [2] .
قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( ادنه ) ) [3] فدنا منه قريبًا فجلس.
قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم له: (( أتحبّه لأمك؟ ) ).
قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك.
قال: (( ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ) ).
قال: (( أفتحبه لابنتك؟ ) ).
قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك.
(1) هذه الفقرة وما بعدا إلى آخر هذا المبحث من إضافة الباحث.
(2) لفظ مه اسم فعل أمر معناه اكفف.
(3) هو فعل أمر من الدنو وهو القرب والهاء فيه للسكت.