وهنا أصدر الخالق عز وجل حكمه العادل على إبليس: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر آية 35،34] .
ولكن هل تقبل إبليس هذا الحكم بالسكوت والرضا؟ وهل منعه الله تعالى من الكلام بعد أن أصدر عليه عقوبته العادلة؟
إن المتدبر في القرآن الكريم في آيات متعددة يرى أن إبليس لم يسكت، وأن الله تعالى قد أفسح له المجال لكي يتكلم، وفي ذلك إشارة إلى واسع حلمه تعالى، وإلى أن من شأن المتحاورين أن يفسحوا صدورهم لخصومهم لإبداء وجهة نظرهم، ثم بعد ذلك يكون الرد عليهم.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكي ما طلبه إبليس من ربه: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الحجر آية 36] .
أي قال إبليس: ما دمت قد أخرجتني من جنتك ومن سمائك، وجعلتني مرجومًا ملعونًا إلى يوم الدين، فأخر موتي إلى يوم أن يبعث آدم وذريته للحساب.
وأجابه الله تعالى إلى طلبه، ويحكي القرآن ذلك فيقول: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر الآيه 37، 38] .
ومرة أخرى نتساءل: هل اكتفى إبليس بكل ما قاله سابقا مما حكاه القرآن عنه؟ وهل قفل الخالق _عز وجل_ باب الكلام في وجهه ومنعه من النطق بأي كلمة بعد ذلك؟
والجواب أن إبليس لم يسكت، بل ظل في لجاجه ومكابرته، فتوعد آدمَ وذريته بالإضلال والإغواء كما ذكر القرآن ذلك في عدة آيات منها في سورة الحجر: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر آية 39] .
ومنها في سورة (( النساء ) )نجد قوله تعالى: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ ... } . [النساء آية 119] .
غير أن الله تعالى رد عليه بقوله {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر آية 41،42] .
والنتيجة: إن المتأمل في تلك الآيات التي ذكرت الحوار بين الله تعالى وإبليس يجد فيها الكثير من آداب الحوار، ومن أهمها:
1_إفساح المجال للخصم لكي يفصح عن وجهة نظره، وإرخاء العنان له لكي يقول ما عنده دون مصادرة لرأيه أو تطاول عليه، ثم بعد ذلك من حق الجانب الآخر أن يرد عليه بالرد الذي يحق الحق ويبطل الباطل.