ويدل على هذا ما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن وابصة الأسدي رضي الله عنه أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البّر والإثم إلا سألته عنه وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه فجعلت أتخطاهم.
فقالوا: إليك يا وابصة عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت: دعوني فأدنو منه فإنه أحب الناسِ إلي أن أدنو منه.
قال: (( دعوا وابصَةَ، ادنُ يا وابصةَ، مرتين أو ثلاثًا ) ).
قال: فدنوتُ منه حتى قعدت بين يديه.
فقال: (( يا وابصةَ، أخبركَ أم تسألُني؟ ) ).
فقلت: لا، بل أخبرني.
فقال: (( جئت تسألُ عن البرّ والإثمِ؟ ) )
فقلت: نعم.
فجمع أنامِلَهُ فجعلَ ينكتُ بهّن في صدري ويقول:
(يا وابصة استفتِ قلبكَ، استفتِ نفسكَ _ثلاث مراتٍ البر ما اطمأنت إليه النفسُ، والإثمُ ما حاكَ في النفسِ وترددَ في الصدرِ وإن أفتاك الناسُ وأفتوكَ ) ) [1] .
الأدب السابع: إفساح المجال أمام المناقش أوالمعارض لغيره، لكي يعبر عن وجهة نظره، دون مصادرة لقوله أو إساءة إلى شخصه:
لقد احترم الإسلام وجهة نظر المخالفين أو المتحاورين، وأعطى حرية التفكير، وفي الوقت ذاته مكن المخالف من إبداء رأيه دون أي تضييق، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية صور كثيرة لمحاورات ومجادلات ومعارضات، تجلى فيها إفساح المجال للمخالف للتعبير عن رأيه، وحتى ولو كان مجاهرا بالمعصية لله تعالى، كما حصل لإبليس اللعين، فهنا يحكي لنا القرآن الكريم ما دار بين الخالق عز وجل وبين إبليس من محاورات وأقوال، فيقول الله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر آية 32] . أي: أيُّ سبب حملك على مخالفة أمري، وجعلك تمتنع عن السجود لمن أمرتك بالسجود له؟!
فكان رده أن قال: {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر آية 33] أي لايليق بشأني أن أسجد لهذا البشر الذي خلقته من طين، فأنا خير منه.
(1) مسند أحمد بن حنبل ج 4/ص 228، رقم 18035، سنن الدارمي ج 2/ص 319، باب دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لَا يَرِيبُكَ رقم 2533، والحديث حسن. انظر مرقاة المفاتيح ج 9/ص 272، شمائل الرسول لابن كثير (الهامش) ص 426.