وأنشد الشافعي رحمه الله تعالى [1] :
إذَا مَا كُنْتَ ذَا فَضْلٍ وَعِلْمٍ ... بما اختلف الأوائلُ والأواخر
فَنَاظِرْ مَنْ تُنَاظِرُ في سُكُونٍ ... حليمًا لا تلحُ ولا تكابر
يُفِيدُكَ مَا اسْتَفَادَ بِلا امْتِنانٍ ... مِنَ النُّكَتِ اللَّطِيفَةِ وَالنَّوَادِر
وإياكَ اللَّجوحَ ومنُ يرائي ... بأني قد غلبتُ ومن يفاخر
فَإنَّ الشرَّ في جَنَبَاتِ هَذَا ... يمنِّي بالتقاطع والتدابر
وقال أيضًا:
إذَا لَمْ أجِدْ خِلاًّ تَقِيًَّا فَوِحْدَتي ... ألذُ وأشهى من غويّ أعاشرهُ
وأجلس وحدي للعبادة آمنًا ... أقرُّ لعيشي من جليسِ أحاذره
ومما يدل على استحباب التواضع وخاصة من المحاور الأعلى علمًا وشأنًا ما رواه مسلم رحمه الله عن حُمَيْد بن هِلالٍ قال: قال أبو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يَخْطُبُ قال: فقلت يا رَسُولَ اللَّهِ: رَجُلٌ غَرِيبٌ جاء يَسْأَلُ عن دِينِهِ لا يَدْرِي ما دِينُهُ.
قال: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حتى انْتَهَى إلي، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قال: فَقَعَدَ عليه رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ الله، ثُمَّ أتى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا [2] .
فهذا الحديث يدل على عدة أمور:
1 تواضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للمحاور، والمبادرة إلى الجواب؛ وهذا مأخوذ من أمرين:
الأول: نزول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من على المنبر وقطعه الخطبة، إذ لم يبق على ارتفاعه كما يفعل الملوك والجبابرة عند قصدهم ومحاورتهم [3] .
والثاني: كون الرجل غريبًا، فقد جرت العادة أن التواضع والاحترام يؤدى للمعروف، وأما الغريب فلا يؤبه له كالمعروف، بل يُزدرى به عند أول التحاور.
2 الدنو من المتحاور لما فيه من الود واللطف؛ لقوله: فأقبل عليّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى انتهى إليّ.
(1) ديوان الإمام الشافعي ج 1/ص 52.
(2) صحيح مسلم رقم 876، في كتاب الجمعة، باب حديث التعليم في الخطبة.
(3) يراجع شرح الكوكب المنير ص 583.