الصفحة 17 من 39

, ومن دليل إلى دليل أبين منه وأنور فكانت النتيجة أن غلب وقهر الكافر وانقطع عن حجاجه؛ لأنه فوجئ بما لا يقدر على فعله ولو تأويلا أو كذبا [1] .

وهكذا يجب الاستنان بسنة إبراهيم عليه السلام في الحوار، فكل من كان جهاده باللسان _من مسلم وغير مسلم_ تعين عليه أن يحاوره بالحجج الواضحة المسلمة بها مع التلطف به؛ قال ابن العربي رحمه الله تعالى: ومن لم يقدر على قتاله بقي الجدال في حقه; ولكن بما يحسن من الأدلة, ويجمل من الكلام, بأن يكون منك للخصم تمكين, وفي خطابك له لين, وأن تستعمل من الأدلة أظهرها, وأنورها, وإذا لم يفهم المجادل أعاد عليه الحجة وكررها, كما فعل الخليل مع الكافر ... [2] .

الأدب الخامس: قصد إبراز الحق وإظهاره في الموضوع المختلف فيه:

فمن أدب الحوار في الشريعة الإسلامية أن يقصد كل طرف من أطراف الخلاف إظهار الحق والصواب الذي هو موضع الاختلاف، حتى ولو كان هذا الإظهار على يد الطرف المخالف [3] .

ويكفي أن نتذكر لهذا القدوة - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام من الليل يفتتح صلاته قائلًا: (( اللهم رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أنت تَحْكُمُ بين عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فيه يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فيه من الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي من تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) [4] .

وورد عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: (( ما ناظرت أحدًا إلا قلت: اللهم أجْرِ الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته ) ) [5] .

الأدب السادس: ومن الآداب التي جاءت بها شريعة القرآن لتهذيب المحاورات: التواضع والالتزام بالأسلوب الحسن والكلام الجميل الخالي من كل ما لا يليق، واحترام الرأي الآخر؛ قال الله تعالى مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل آية 125] .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (( قوله: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب ) ) [6] .

(1) ويراجع استخراج الجدال من القرآن الكريم لناصح الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن نجم الأنصاري المعروف بابن الحنبلي ص 39.

(2) ينظر أحكام القرآن لابن العربي 1/ 518.

(3) شرح الكوكب المنير ص 578، 581 ..

(4) رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ صحيح مسلم، رقم 770، ج 1/ص 534، بَاب الدُّعَاءِ في صَلاةِ اللَّيْلِ وَقِيَامِهِ.

(5) يراجع قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/ 160، إحياء علوم الدين ج 1/ص 44.

(6) تفسير ابن كثير ج 2/ص 592، يراجع شرح الكوكب المنير ص 587.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت