الصفحة 16 من 39

الأدب الرابع: إبراز الدليل الناصع والبرهان الساطع، والجواب الواضح الكافي الشافي:

فقد أمرت الشريعة الإسلامية عند الحوار مع الآخر بالتزام الطرق المنطقية السليمة عند سؤال الآخر أو الرد عليه، وهذا الأسلوب في الحوار له طرق من أهمها:

أ_ تقديم الأدلة المثبتة والمرجحة للأمور المدعاة.

ب_ إثبات صحة النقل للأمور المنقولة المروية عن الآخرين.

ج_ خلو الدليل الذي يقدمه المحاور من التعارض، بحيث لا ينقض الكلام بعضه بعضا.

ومن هذه الأمور أخذ العلماء فن أدب البحث والمحاورة، فقالوا ما يسطر بماء الذهب: (( إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل ) ).

وهذا الأدب جاءت به الشريعة الإسلامية أيضا لقطع الخلاف خاصة مع الجاحدين، حتى لا يمضي المعاند في جداله وتماديه في الباطل.

ومن الأمثلة القرآنية على ذلك ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام وبين الملك الكافر الظالم الذي كان يعيش في عصره، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة آية 258] .

والمعنى: ألم تر قصة ذلك الكافر المغرور بملكه وهو نمرود بن كنعان الذي جادل إبراهيم عليه السلام في وحدانية الله تعالى، يريد أن يثبت لنفسه الربوبية، اعتمادًا على دليل كاذب فيه؛ فقدم له إبراهيم عليه السلام دليلًا واضحًا يدعوه فيه إلى الإخلاص في عبادة لله تعالى؛ بأن ربي وربك الله تعالى الذي ينشء الحياة، ويحيي الأنفس ويميتها ولا يوجد أحد سواه يستطيع فعل ذلك.

فما كان من ذلك المغرور إلا أن قال: أنا أحيي الإنسان وأميته، فأعفو عمن يستحق القتل، وأقتل من أشاء أن أقتله!

وهنا لم يستمر إبراهيم عليه السلام في محاججته بأن يرد عليه كذبه بأن يقول له: إن ما تدعيه ليس من باب الإحياء والإماتة في شيء ولكنه من باب الظلم والعدوان، بل آثر إبراهيم عليه السلام ترك المجادلة في مسألة الإحياء والإماتة، وجاءه من باب آخر للدلالة على قدرة الله تعالى، لا يقدر المعاند على الجواب أو المكابرة؛ بأن الله تعالى من قدرته أن يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فحسن الجدال , وانتقل إلى أبين منه بالاستدلال، وقال: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، وهو انتقال من حق إلى حق أظهر منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت