ولقد ساق القرآن ألونا من الحوارات التي دارت بين الرسل وأقوامهم، وبين المصلحين والمفسدين، وعندما نتدبرها نرى الأخيار فيها لا ينطقون إلا بالصدق الذي يدمغ الأكاذيب، وبالحق الذي يزهق الباطل، ومن هنا حد الله تعالى _لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأمته_ الضابط الأول في محاورة المسلمين وغير المسلمين بقوله: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت آية 46] ، وقال الله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل آية 125] ، ومن حسن المجادلة بالأحسن التحدث بالصدق وتتبع الحقيقة.
فقوله تعالى: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} له عموم يشمل جميع الأساليب الفكرية والقولية، وبهذا يتبن لنا أن المطلوب من المسلم أن يكون في حواره على حالة أرقى وأحسن من الحالة التي يكون عليها من يحاوره أدبا وتهذيبا.
وقال البغوي رحمه الله تعالى:" {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن، أي أعرض عن أذاهم ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق" [1] .
الأدب الثالث: الالتزام بالموضوعية:
ومن الآداب التي جاءت بها شريعة الإسلام لتنظيم الخلافات والمحاورات بين الناس، حتى تتضح الحقيقة ويتوصل المتحاورون إلى النتائج المرضية: الالتزام بالموضوعية؛ والمراد بها عدم الخروج عن الموضوع الذي هو محور النزاع أو الخلاف، فإن آفة كثير من الناس في هذه الأيام أنهم إذا ناقشوا غيرهم في موضوع معين، تعمدوا الخروج عنه إلى موضوع آخر، وكان جوابهم عن سؤال طرح عليهم إما جوابا لا علاقة له بالموضوع، أو أن يبادر بطرح سؤال ردا على سؤاله، بحيث لا يدري العقلاء في أي شيء هم مختلفون مع غيرهم، وتتوه الحقيقة في خضم هذه الفروع التي لا تكاد تعرف لها أصلا.
إنك تقرأ القرآن فترى كثيرًا من المجادلات والمحاورات التي دارت بين الرسل عليهم السلام وأقوامهم كان جوابهم منتزعًا من أقوال هؤلاء المخالفين، دون خروج عن موضوع النزاع، ومن الأمثلة على ذلك قول الله تعالى على لسان قوم هود: {قالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} فيرد عليهم هود بقوله: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف الآية 66_68] .
(1) تفسير البغوي ج 3/ص 90.