عَائِشَةَ، زَوْجِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهَا كَانَتْ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم:"سَدّدُوا وَقَارِبُوا. وَأَبْشِرُوا. فَإِنّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ". قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ؟ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ:"وَلاَ أَنَا. إِلاّ أَنْ يَتَغَمّدَنِيَ اللّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ. وَاعْلَمُوا أَنّ أَحَبّ الْعَمَلِ إِلَىَ اللّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلّ".
قوله صلى الله عليه وسلم:"لن ينجي أحدا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ولكن سددوا"وفي رواية:"برحمة منه وفضل"وفي رواية: ("بمغفرة ورحمة") وفي رواية: ("إلا أن يتداركني الله منه برحمة") اعلم أن مذهب أهل السنة إنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب ولا إيجاب ولا تحريم ولا غيرهما من أنواع التكليف، ولا تثبت هذه كلها ولا غيرها إلا بالشرع، ومذهب أهل السنة أيضًا أن الله تعالى لا يجب عليه شيء تعالى الله بل العالم ملكه والدنيا والاَخرة في سلطانه يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار كان عدلًا منه، وإذا أكرمهم ونعمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه، ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك ولكنه أخبر وخبره صدق أنه لا يفعل هذا بل يغفر للمؤمنين ويدخلهم الجنة برحمته ويعذب المنافقين و يخلدهم في النار عدلاَ منه. وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل ويوجبون ثواب الأعمال ويوجبون الأصلح ويمنعون خلاف هذا في خبط طويل لهم تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المنابذة لنصوص الشرع. وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته. وأما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} و {تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} ونحوهما من الاَيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الاَيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله وفضله فيصح أنهم لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها وهي من الرحمة والله أعلم. ومعنى يتعمدني برحمته يلبسنيها ويغمدني بها، ومنه أغمدت السيف وغمدته إذا جعلته في غمده وسترته به، ومعنى"سددوا وقاربوا"اطلبوا السداد واعملوا به وإن عجزتم عنه فقاربوه أي اقربوا منه، والسداد الصواب وهو بين الإفراط والتفريط فلا تغلوا ولا تقصروا ..
... الحديث في كتب أخرى
1 -حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، وإسماعيل بن موسى؛ قالا: حدثنا شريك بن عبد الله عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( قاربوا وسددوا. فإنه ليس أحد منكم بمنجيه عمله ) ). قلوا: ولا أنت؟ يا رسول الله! قال (( ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) ). ... ابن ماجه
2 -حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزُهري قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف: أن أبا هريرة قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يُدخِل أحدًا عملُه الجنة) . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (لا، ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله بفضل ورحمة، فسدِّدوا وقاربوا، ولا يتمنينَّ أحدكم الموت: إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب) . ... البخاري