وما زالَ المؤذِّنونَ كذلك إلى مدِّةِ أيَّامِ بني أُميَّة، ومدَّةِ خلافةِ بني العباس، فلمَّا استولى العجم، وتركَ خلفاءُ بني العبَّاسِ الصَّلاةَ مع النَّاس، تُرِكَ ذلك كما تُرِكَ غيرُهُ من سنِنِ الإسلام.
ولم يكنْ أحدٌ من الخلفاءِ الفاطميِّينَ يُصلِّي بالنَّاسِ في كلِّ يوم، فسلَّمَ المؤذِّنونَ في زمانِهم على الخليفةِ بعدَ الأذانِ فوقَ المنارات.
فلمَّا انقضتْ أيَّامهم (1) ، وغيَّرَ السُّلطانُ صلاحُ الدِّين (2) رسومَهم، لم يتجاسرْ المؤذِّنونَ على السَّلامِ عليه احترامًا للخليفةِ العباسيِّ ببغداد، فجعلوا عوضَ السَّلامُ عليه، السَّلامُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم، واستمرَّ ذلك قبلَ أذانِ الفجرِ في كلِّ ليلةٍ بمصرَ والشَّام والحجاز، وزيدَ فيه بأمرِ المحتسبِ صلاحِ الدِّينِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله، وكان ذلكَ بعدَ سنةِ ستِّينَ وسبعمئة. انتهى.
-القولُ الثالث -
قولُ المتأخِّرينَ من أصحابنا: فإنَّهم لمَّا رأوا ظهورَ التَّكاسلِ في جميعِ الصَّلواتِ:
استحسنُوا التثويب لجميع الناس في جميع الصلوات
(1) وكان ذلك في سنة (564 هـ) . انظر: (( روض المناظر ) ) (ص 216 - 218) .
(2) وهو يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الأيوبي الدويني الأصل التكريتي المولد، الملك الناصر أبو المظفر، صلاح الدين، قال الذهبي: كان خليقًا للملك، شديد الهيبة، محبِّبًا إلى الأمة، عالي الهمة، كامل السؤدد، جمّ المناقب، قال العماد الكاتب: حسبت ما أطلقه في مدة مقامه بمرج عكا فكان اثنى عشر ألف فرس، غير ما أطلقه من الأثمان، غير الخيل المصابة، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، ولم يؤخر صلاة عن وقتها، ولا صلى إلا في جماعة، وكان حسن الخلق، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، (532 - 589 هـ) . انظر: (( العبر ) ) (4: 270) . (( روض المناظر ) ) (ص 231 - 132) .