واستدلوا كذلك بما جاء عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ ) ) [1] ، وهو حديث متكلم في سنده وجمهور أئمة الحديث على ضعفه ورده، وحسَّن بعض العلماء إسناده، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أن المأموم يحمل عنه الإمام القراءة وهذا شامل لفاتحة الكتاب وغيرها.
وأما أصحاب القول الثالث فقد استدلوا على التفريق بين الجهرية والسرية بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه فارتُجَّ عليه في القراءة فقال-عليه الصلاة والسلام-: (( مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ) ) [2] ، قالوا فهذا يدل على أن محل الإنكار إنما هو الجهرية دون السرية، والواجب على المأموم أن يقرأ بفاتحة الكتاب في السرية؛ لأن الأصل وجوبها عليه، فهذا وجه تفريقهم بين السرية والجهرية.
قال العلامة محمد بن المختار الشنقيطي: والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بوجوب قراءة فاتحة الكتاب على المأموم، سواءً كان في الصلاة السرية أم الجهرية. ووجه الترجيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بفاتحة الكتاب على سبيل العموم ولم يستثنِ -صلوات الله وسلامه عليه- صلاة أو مصليًا دون غيره، فدل على أن الأصل هو: وجوب قراءة فاتحة الكتاب.
الدليل الأول: وهو قوله-تعالى-: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} أن هذه الآية الكريمة عامة، وحديثنا الذي أمر بفاتحة الكتاب في الصلاة خاص، والقاعدة في الأصول: أنه إذا تعارض النص الصريح في المسألة مع غيره مما هو أعم فإنه يقدم الصحيح الصريح، حتى ولو كان الصريح من الحديث الحسن فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث الحسن: ((
(1) رواه أحمد، وابن ماجه،"فتح القدير"1/ 339. وهو ضعيف من جميع طرقه. وهو مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، قال الحافظ ابن كثير: اتفق الحفاظ علي ضعفه. مع أن العلامة الألباني حسنه بمجموع طرقه. والحديث عن عبد الله بن شداد وهو تابعي عن رسول الله.
(2) رواه أبو داود والترمذي.