والقول الثالث في المسألة: قالوا: إذا كانت الصلاة جهرية فإن المأموم ينصت ولا يقرأ، وإذا كانت الصلاة سرية فإنه يقرأ بفاتحة الكتاب، وهذا القول روى عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - و -رضي الله عنهم أجمعين- ويحكى عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - وأرضاه- واختاره الإمام مالك بن أنس، وكذلك بعض أصحاب الإمام أحمد، وعنه رواية بهذا القول.
فتحصل في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: بوجوب قراءة القاتحة مطلقًا على المأموم في السرية والجهرية.
والقول الثاني: بعكسه (أعني عدم قراءة الفاتحة سواءً كانت الصلاة جهرية أم سرية) .
والقول الثالث: بالتفصيل.
الدليل الأول: ما ثبت في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أَيُّمَا صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثُمَّ هِيَ خِدَاجٌ ثُمَّ هِيَ خِدَاجٌ ) ) [1] .
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمم في الحكم وقال: (( أَيُّمَا صَلَاةٍ ) )، و (أَيّ) عند علماء الأصول من الحروف التي تدل على العموم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( صَلَاةٍ ) ): نكرة تفيد العموم، ولم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين صلاة المأموم والإمام، ولم يفرق بين جهرية وسرية، والقاعدة في الأصول:"أن الأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يدل الدليل على التخصيص"قالوا ولو كان المأموم مستثنىً لقال - صلى الله عليه وسلم: إلا المأموم، أو إلا من كان يصلى وراء الإمام.
أما الدليل الثاني: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (( لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ) ) [2] ، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لَا صَلَاةَ ) )، وصلاة نكرة، والقاعدة في الأصول:"أن النكرة في سياق النفي تدل على العموم"فبين - صلى الله عليه وسلم - أن الصلاة لا تصح، سواءً كانت من المأموم أم من المنفرد أم
(1) رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو دادود وابن ماجه وأحمد ومالك، واللفظ لأحمد.
(2) متفق عليه.