من الإمام إذا كان لم يقرأ صاحبها بفاتحة الكتاب، فدل على وجوب قراءة فاتحة الكتاب على المأموم. وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( لَا صَلَاةَ ) )نفيٌ، والأصل في النَّفي أن يكون نفيًا للوجود، فإنْ لم يمكن فهو نفيٌ للصحَّة، ونفيُ الصحَّة نفيٌ للوجود الشرعي، فإنْ لم يمكن فلنفي الكمال، فهذه مراتب النفي، فمثلًا: إذا قلت: لا خالق إلا الله، فهذا نفيٌ للوجود، إذ لا خالق إلا ربّ العالمين.
وإذا قلت: لا صلاةَ بغير وُضُوء، فهذا نفيٌ للصحَّة؛ لأن الصَّلاةَ قد تُفعل بلا وُضُوء.
وإذا قلت: لا صلاةَ بحضرَة طعام، فهو نفيٌ للكمال؛ لأن الصلاة تصحُّ مع حَضْرة الطعام.
فقوله - صلى الله عليه وسلم: (( لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ) )إذا نزَّلناه على هذه المراتب الثلاث وجدنا أنه قد يوجد مَن يُصلِّي ولا يقرأ الفاتحة، وعلى هذا فلا يكون نفيًا للوجود. فإذا وُجِدَ مَن يُصلِّي ولم يقرأ الفاتحةَ فإن الصَّلاةَ لا تَصِحُّ؛ لأن المرتبة الثانية هي نفيُ الصحَّة، وعلى هذا فلا تصحُّ الصَّلاة والحديث عامٌّ لم يُستثنَ منه شيء، والأصل في النصوص العامة أن تبقى على عمومها، فلا تخصَّصُ إلا بدليل شرعيٍّ، إما نصٌّ، أو إجماعٌ، أو قياس صحيح، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة بالنسبة لعموم قوله: (( لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ) ).
وأما الدليل الثالث: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ (( إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ ) )قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِي وَاللَّهِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا؛ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا )) [1] ، وهذا الحديث الصحيح صريح في الدلالة على أن المأموم يجب عليه أن يقرأ بفاتحة الكتاب، سواءً كانت الصلاة جهرية أم كانت سرية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( فَلَا تَفْعَلُوا ) )أي: لا تقرؤوا وراء الإمام إلا أن تكون القراءة بفاتحة الكتاب، فدل دلالة واضحة على وجوب قراءة فاتحة الكتاب على المأموم مطلقًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُفرق بين السرية والجهرية،
(1) رواه الترمذي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني وله ألفاظ من حديث عبادة بألفاظ مختلفة. وحسنه الترمذي والدارقطني، وقال الخطابي: إسناده جيد لا طعن فيه.