فهذه الأحاديث الصحيحة تدل دلالة واضحة على رجحان هذا المذهب (أنه يجب على المأموم أن يقرأ بفاتحة الكتاب، سواءً كانت الصلاة من السرية أم من الجهرية) .
واستدل أصحاب القول الثاني بدليل الكتاب والسنة. أما استدلالهم بدليل الكتاب فبقوله - سبحانه وتعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة؛ أن المأموم وراء الإمام مأمور بالانصات عند سماع القرآن، وكان الإمام أحمد -رحمه الله- يقول: إن هذه الآية نزلت في الصلاة. فدل على أنه ينبغي على المأموم أن ينصت لقراءة القرآن، وبناءً عليه تسقط عنه قراءة الفاتحة؛ لأنه مشغول بالاستماع.
أما الدليل من السنة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه أنه قال: (( إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا .. ) )، وفي رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ) ) [1] ، وهذه الزيادة محل اختلاف بين علماء الحديث، هل هي مثبته من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟. قال أبو داود: ليست بمحفوظة، وكذا قال ابن معين وأبو حاتم الرازي والدارقطني وأبو علي النيسابوري، واجتماع هؤلاء الحفاظ علي تضعيفها مقدَّم علي تصحيح مسلم، لا سيما ولم يروها في صحيحة، والله أعلم.
ووجه الدلالة منها في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ) )، حيث أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المأموم أن ينصت لقراءة الإمام، فدل على سقوط القراءة في حقه، وأنه لا يجب عليه أن يقرأ وراء الإمام. واستدلوا بحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ. اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ ) ) [2] ، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( الْإِمَامُ ضَامِنٌ ) )والضامن والضمين في لغة العرب: الحميل والزعيم الذي يتحمل عن الغير، فقالوا: إن هذا الحديث يدل على أن الإمام يحمل عن المأموم ومما يحمله عنه قراءته لفاتحة الكتاب.
(1) أعل الحفاظ هذه الزيادة. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
(2) رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني برقم 2787 في صحيح الجامع.