ثم قال هو: ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسّل والفرائض، ودونها القراءات ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطب. وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلًا أحمله، وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئًا في علم المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي، وسمعت أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك، فعوضني الله عنه علم الحديث.
والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلا عمن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك؛ بل شيخي فيه أوسع نظرًا وأطول باعًا [1] .
شرع في التصنيف سنة 866 هـ، وأول مؤلف له: رسالة في شرح الاستعاذة والبسملة، عرضها حينذاك على شيخه شيخ الإسلام علم الدين البُلْقِينيّ، فاستحسنها وكتب عليها تقريظًا [2] .
يقول ابن العماد: وقد اشتهرت أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقًا وغربًا، وكان آية كبرى في سرعة التأليف حتى قال تلميذه الداوودي: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفًا وتحريرًا، وكان يملي مع ذلك الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه؛ رجالًا وغريبًا ومتنًا وسندًا، واستنباطًا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مئتي ألف حديث، قال: ولو وجدت أكثر لحفظته، قال: ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك [3] .
(1) حسن المحاضرة 1/ 290.
(2) حسن المحاضرة 1/ 336.
(3) شذرات الذهب 8/ 51.