الصفحة 22 من 28

، والتَّوصُّلُ إلى خِلاَفِهِ بالحِيَلِ الفَاسدة من باب قوله صلى الله عليه وسلم: لاَ تَرتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الحِيَلِ [1] .

فصل:

86/أ

اعلم أن أكثر مفتي عصرنا أفتوا بجواز فتحِ الباب، والكُوَّةِ، والشُّبَّاكِ، من دارِ بيتٍ ملاصقةٍ للمسجد الشريف، وكان ذلك منهم استِرْوَاحًا، وعدمَ وقوفٍ على مجموع الأحاديث الواردة، ولولا جَنَابُ النَّبي صلى الله عليه وسلم، / وعظمته الرَّاسخة في القلب لم أتكلم في شيء من ذلك، وكُنتُ إلى السُّكوت أَميل، لكن لا أرى السكوت يسعني في ذلك، فإن هذا عهد عهده النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته، فوجب على كل من علمه أن يبينه، ولا يراعي فيه صديقًا ولا حبيبًا، ولا بعيدًا ولا قريبًا، وأنا أذكر شُبَه المُفْتِين وأوردها واحدة واحدة.

-فمنهم من قال: لا نَقْلَ في هذه المسألة لأهل مذهبنا، ونقول بالجواز استحسانًا حيث لا ضرر.

وجواب هذا: أنه لا استحسان مع النصوص النبوية.

-ومنهم من قال بالقياسِ على سائر المساجد، حيث رأى الناظر ذلك.

وجواب هذا: أن النَّصَّ مَنَعَ القياسَ، ودلت الأحاديث على أن المسجد النبوي انفرد بهذه الخصوصية عن سائر المساجد.

-ومنهم من قال: الأمر في ذلك منوط برأي الإمام.

وجواب هذا: أنه لا رأي لأحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل لأحد من الأئمة أن يغير من الأمور المنصوصة في الشريعة شيئًا برأيه؟

-ومنهم من قال: الحديثُ الوارد في ذلك مخصوص بزمنه عليه السلام، وهذا خطأ من وجوه:

أحدها: أنه لا دليل على التخصيص، وإنما يُصَارُ إلى تخصيص النُّصوص بدليل.

ثانيها: أن القصة أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته، ولم يَعِش بعدها إلا دونَ عشرة أيام، فَدَلَّ على أنه أمر به شرعًا مُستمرًّا إلى يوم القيامة.

ثالثها: أنه لو كان مخصوصًا بزمن لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيِّنه، وإلا لكان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة، لا سيما وهي آخرُ جلسة جلسها للناس.

رابعها: أن الصحابة استمروا إلى أن انقرضوا وهم باقون على هذا الحكم، وهذا يدل على أنهم فهموه شرعًا مؤبدًا.

خامسها: يقال لهذا الذي ادَّعى التخصيص: ما وجه منع الصحابة في زمنه، والإذن لمن جاء بعدهم! والصحابة أشرف وأجل وأحق بكل خير، وهل تَخَيَّل مُتَخَيِّلٌ أن يُرَخِّصَ لأهل القرن الأرذل ما منعَ منه أشرفَ [2] الأُمَّةِ، وخِيَارَهُم! معاذ الله.

قال النووي في شرح المهذب: فرع عن خارجة بن زيد بن ثابت آخر فقهاء المدينة السبعة، قال: بَنَى رسول الله صلى الله عليه وسلم مَسجدَه سبعون ذراعًا في ستين ذراعًا أو أزيد [3] . قال أهل السير: جعل عثمانُ بن عفان طول المسجد مائة وستين ذراعًا، وعرضه مائة وخمسين ذراعًا، وجعل أبوابه ستة، كما كانت في زمن عمر [4] ، وزاد فيه الوليد بن عبد الملك،

(1) رواه ابن بطة وغيره بإسناد حسن.

كذا ذكره ابن قيم الجوزية في تعليقاته على السنن.

(2) في (ب) : أشراف.

(3) انظر: وفاء الوفا 1/ 341.

(4) انظر: وفاء الوفا 2/ 507.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت