تَعَرُّضَ في شروط واقفيها لمنع ولا لغيره، على ما في ذلك أيضًا من تَوَقُّفٍ ونَظَر [1] .
وإنْ خَطَر ببال أحد أن يقول: إن المسجد الشريف قد زالت معالمه وجُدُرُه، ووُسِّعَ زيادة على ما كان في عهده صلى الله عليه وسلم، فلا يجديه [2] هذا شيئًا؛ فإن حُرْمَة المسجد وأحَكَامَه الثابتة له باقيةٌ إلى يوم القيامة، ولو اتَّسَع وأُزيلت معالمه وجُدُرُه وأعِيدَت، عادت على هذا الحكم من غير تغيير، فإن الحكم المذكور مَنُوطٌ بِالمسجد من حيثُ هُوَ، لا بذاك الجدار بعينه، وقد بُنِيَ في زمن عمر، ووُسِّعَ في زمن عثمان وغيره في القرن الأول وبعده، ولم يخرجوا عن هذا الحكم.
وإن قيل بجواز الفتح في الجدار الذي هو مِلْكُ الفاتح، قلنا: إن كان مع إعادة حائط المسجد الشريف كما كانت، بحيث سَدَّ الباب والشبابيك التي في الجدار فلا مُسْتَطْرَقَ منه، ولا يُطَّلَعُ منها، فلا كلام، وإن كان مع إزالة حائط المسجد، وبناء الاستِطْرَاقِ والاطِّلاَعِ فمعاذ الله، فإن هذه ذَرِيعَةٌ وحيلة يُتَوَصَّل منها إلى مخالفة الأمر الشريف، وإذا منع النبي صلى الله عليه وسلم عُمَرَ من فتح كُوَّةٍ يَنْظُرُه [3] منها حين يخرج إلى الصلاة، فكيف هدمُ الحائط جميعِه، بل أزيد على هذا وأقول: لو أُعِيدَ حائطُ المسجد، وبَنَى خَلْفَهُ جِدَارًا أطولَ منه، وفتحَ في أَعلاه كُوّةً يُطَّلَعُ منها إلى الشَّبَابيك تصير معدًا لمن يجلس فيها مرتفعًا، والقبر الشريف تحته، فهذا أشَدُّ وأشَدُّ، والواجب على كل مُتَحَرٍّ الاحتياطُ لدينه حيث عَلِمَ أن هذا الحكمَ منصوصٌ عليه من صاحب الشرع، وأنه لا رأي لأحد فيه بعد نَصِّهِ، وإن حَكَم الحاكمُ بما خالف النَّصَّ يُنْقَضُ، وفتوى المفتِي بما يُعارضه تُرَدُّ
(1) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، 3/ 41، لابن شاس.
(2) في (ب) بزيادة: به.
(3) في (ب) : ينظر.