والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، وكانوا لا يخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى لا يستطيعون شراءها. انظر: الرحيق المختوم 89.
ثم سارت حياته صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى كانت تمر الأشهر دون أن يطبخ في بيته شيء , فعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ انَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللَّهِ يَا ابْنَ اُخْتِي إِنْ كنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهلالِ ثُمَّ الْهِلالِ ثُمَّ الْهِلالِ، ثَلاثَةَ اهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا اُوقِدَ فِي ابْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَارٌ. قَالَ: قُلْتُ: يَاخَالَةُ. فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتِ: الاسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلاَّ انَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسًولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جِيرَانٌ مِنَ الانْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْبَانِهَا، فَيَسْقِيناهُ. أخرجه أحمد 6/ 244 و"البُخَارِي"3/ 201 و"مسلم"8/ 218.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَبِيتُ اللَّيَالِىَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا وَأَهْلُهُ لاَ يَجِدُونَ الْعَشَاءَ وَكَانَ عَامَّةَ خُبْزِهِمْ خُبْزُ الشَّعِيرِ. أخرجه أحمد 1/ 255 (2303) و (اابن ماجة) 3347 الألباني في"السلسلة الصحيحة"5/ 154.
بل وصل الحد إلى الصوم من قلة الطعام , فعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء ويقول هل عندكم غداء فنقول لا فيقول إني صائم فأتانا يوما وقد أهدي لنا حيس فقال هل عندكم شيء قلنا نعم أهدي لنا حيس قال أما إني قد أصبحت أريد الصوم فأكل. الألباني: صحيح أبي داود (2119) .
بل وازداد الأمر إلى حد ربطه الحجر على بطنه من شدة الجوع , فعَنْ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْجُوعَ، وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ حَجَرَيْنِ. أخرجه التِّرْمِذِي (2371) الألباني في"السلسلة الصحيحة"4/ 151.
وعَنْ أَيْمَنَ الْمَكِّيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرًا، فَقَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: أَنَا نَازِلٌ، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، لاَ نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمِعْوَلَ، فَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ، فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟