فأتى عروة رجل يعزيه، فقال: إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها. قال: بل أعزيك بمحمد ابنك، قال: وماله؟ فأخبره، فقال: اللهم أخذت عضوًا وتركت أعضاء، وأخذت ابنًا وتركت أبناءًا. فما سمع منه شيء في ذلك حتى قدم المدينة فلما قدم المدينة. أتاه ابن المنكدر، فقال، كيف كنت؟ قال (( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا ) )وقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد وأيم الله لئن أخذت لقد أبقيت ولئن ابتليت لطالما عافيت، وروي: اللهم إن كان لي بنون سبعة ولما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في ابنه ورجله، فبلغه أن بعض الناس، قال: إنما اصابه هذا بذنب عظيم أحدثه، فأنشد عروة في ذلك متمثلًا أبياتًا لمعن بن أوس:
لعمرك ما أهويت كفي لريبة * * * ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها * * * ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
ولست بماشٍ ماحييت لمنكر * * * من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي
ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة * * * وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الدهر * * * إلا قد أصابت فتى قبلي
وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال له: والله مابك حاجة إلى المشي، ولا أربُ في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع لبعض - إنشاء الله تعالى - وقد أبقى الله لنا منك ماكنا إليه فقراء من علمك ورأيك نفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك، والضمين بحسابك، وعاش بعد قطع رجله ثماني سنوات.
ولم يدع ورده من القرآن والقيام وحتى في هذه الليلة. انظر: سير أعلام النبلاء (4/ 430) .
وروى الحافظ أبو نعيم: لما توفي ذر بن عمر الهمداني، جاءه أبوه أو جاء أبوه، فوجده قد مات، فوجد أهل بيته يبكون، فقال: ما بكم؟ قالوا: مات ذر، فقال: الحمد لله، والله ما ظلمنا ولا قهرنا ولا ذهب لنا بحق، وما أريد غيرنا بما حصل لذر، ومالنا على الله من مأثم، ثم غسَّله وكفَّنه، وذهب ليصلي مع المصلين، ثم ذهب به إلي المقبرة، ولما وضعه في القبر قال: رحمك الله يا بني، قد كنت بي بارًا، وكنت لك راحمًا، ومالي إليك من وحشة ولا إلى أحد بعد الله فاقة، والله يا ذر ما ذهبت لنا بعز، وما أبقيت علينا من ذل، ولقد شغلني والله الحزن لك عن الحزن عليك، يا ذر -والله- لولا هول يوم المحشر لتمنيت أني صِرْت إلى ما إليه صرت. يا ليت شعري ماذا قيل لك وبماذا أجبت؟ ثم يرفع يديه أخري باكيًا، اللهم إنك قد وعدتني الثواب إن صبرت،