لما قدم سعد بن أبي وقاص مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت إليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم .. فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم! أنت تدعو للناس، فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك، فتبسم وقال: يا بني! قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.
وروي أن عروة بن الزبيرخرج إلى الوليد بن عبدالملك، حتى إذا كان بوادي القرى، فوجد في رجله شيئًا، فظهرت به قرحة الآكلة، ثم ترقى به الوجع، وقدم على الوليد وهو في محْمل، فقيل: ألا ندعوا لك طبيبًا؟ قال: إن شئتم، فبعث إليه الوليد بالأطباء فأجمع رأيهم على أن لم ينشروها قتلته، فقال شأنكم فقالوا: اشرب المُرقد، فقال: امضوا لشأنكم، ماكنت أظن أن خلقًا يشرب مايزيل عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل، ولكن هلموا فاقطعوها
وقال ابن قتيبة وغيره: لما دعي الجزار ليقطعها قال له: نسقيك خمرًا حتى لا تجد لها ألمًا، فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية، قالوا: فنسقيك المرقد، قال: ما أحب أن اسلب عضوًا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه، قال: ودخل قوم أنكرهم، فقال: ماهؤلاء؟ قالوا: يمسكونك فإن الألم ربما عَزَبَ معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي. فوضع المنشار على ركبته اليسرى فنشروها بالمنشار فما حرك عضوًا عن عضو وصبر حتى فرغوا منها ثم حمسوها وهو يهلل ويكبر، ثم إنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم به، ثم غشي عليه، وهو في ذلك كله كبير السن وإنه لصائم فما تضور وجهه، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه. وروي أنه لما أُمر بشرب شراب أو أكل شيء يذهب عقله قال: إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإن لا أحس بذلك ولا أشعر به، قال: فنشروا رجله من فوق الآكله من المكان الحيَّ احتياطًا أنه لا يبقى منها شيء وهو قائم يصلي فما تصور ولا اختلج فلما انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رجله.
وقيل: إنه قطعت رجله في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه، فلم يتحرك ولم يشعر الوليد أنها قطعت حتى كويت فوجد رائحة الكي. وقال الوليد: مارأيت قط شيخًا أصبر من هذا. ولما رأى رجله وقدمه في أيديهم أو في الطست دعا بها فتناولها فقلبها في يده ثم قال: أما والذي حملني عليك أنه ليعلم أن مامشيت بك إلى حرام، أو قال: إلى معصية. ثم أمر بها فغسلت وحنطت وكفنت ولفت بقطيفه ثم أرسل بها إلى المقابر.
وكان معه في سفره ذلك ابنه محمد، ودخل محمد اصطبل دواب الوليد، فرفسته دابة فخر ميتًا