أحدها: الحديث يقتضي النهي عن مسّ الذكر باليمين في حالة البول، ووردت رواية أخرى في النهي عن مسه مطلقا، من غير تقييد بحالة البول [1] ، فمن الناس مَن أخذ بهذا المطلق، وقد سبق إلى الفهم أنّ المطلق العام محمول على المقيد الخاص، فيخص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث؛ لأنّ هذا الذي يُقال يتخذ في باب الأمر والإثبات، فإنَّا لو جعلنا الحكم للمطلق، كان فيه إخلال باللفظ الدال على المقيد لفظ الأمر، وذلك غير جائز، وأمّا في باب النهي فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيد، أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق، مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ، هذا كله بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث، وهو أنْ ننظر في الروايتين، أعني رواية الإطلاق والتقييد، هل هما حديثان، أو حديث واحد، مخرجه واحد؟ فإذا كانا حديثين، فالأمر على ما ذكرناه في حكم الإطلاق والتقييد، وإن كان حديثا واحدا، مخرجه واحد، اختلفت عليه الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقييد، لأنها تكون زيادة مِن عدْل في حديث واحد، فتقبل، وهذا الحديث راجع إلى رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي قتادة، عن أبيه، وكذلك يكون أيضا بعد النظر في دلالة المفهوم، وما يعمل به منه، وما لا يعمل به، أنْ ننظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم، انتهى.
ثم أنّ السائل ـ عافاه الله ـ بعد تحرير هذا الكلام، وجه السؤال إلى راقم هذه الأحرف، وأبان أنّ مقصود سؤاله هل ما ذكره هذا المحقق من تخصيص حمل المطلق على المقيد بالأمر والإثبات، دون النفي والنهي هو من القواعد الأصولية المربوطة بالأدلة المقبولة أم لا؟ فإنه يترتب على هذه القاعدة من المسائل الشرعية نفيا وإثباتا ما لا يحيط به الحصر، فتحقيق الحق فيها بالدليل، لا بمجرد القال والقيل من أهم المطالب العلمية.
وأقول: الجواب بمعرفة الملك الوهاب، ينحصر في مقدمة، وأبحاث ثلاثة، أمَّا المقدمة: فاعلم أنّ معرفة ما هو الحق في مسألة السؤال تتوقف على أمرين:
أحدهما: تصور ماهية المطلق والمقيد، فإنّ مَن أحاط بهما خُبرا إمَّا بالكُنْه، أو بالوجه، علم دخول مسألة السؤال في ماهيتهما، فأثبت لهما أحكامهما، أو خروجها فلم يثبت لها شيئا منها.
(1) جاء في سنن الترمذي 1/ 23 / م
حدثنا محمد بن أبي عمر المكي حدثنا سفيان بن عيينة عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه.