الصفحة 62 من 78

المائتين يقول: إحدى المائتين خرجت من الرأس، الباقي تسعمائة، ثُلثها ثلاثمائة، خرجت منها المائة الأخرى، أو يقول من الابتداء الخارج من الرأس كذا، الباقي كذا، ثلثه كذا، ثم يقدّم في الإخراج، وهو الصرف أو الدفع إلى الأجير ما كان حقا لله، فيكون عاملا بجميع ما ورد , وهذا ظاهر لا سترة به، ولا معارضة بين أحاديث المنع للمريض من الزيادة على الثلث، وأحاديث أحقية دَيْن الله على ديْن الآدمي، على أنه لو قيل باستلزام أحقية القضاء لأحقية المخرج لم يكن الجمع متعسرا؛ لأنّ أحقية القضاء أعم من كونه المقضي، مجرد فعل الطاعة، أو إخراج المال لمن يفعلها، فهو من هذه الحيثية عام لشموله للفعل والمال، وأحاديث الإذن بالثلث فقط خاصة بالمال، فيُبنى العام على الخاص، وتكون الأفعال التي لله أحق من غيرها من الأفعال المفعولة للعباد، كطاعة الوالدين، والسلطان، والحاكم، وأمَّا الأموال التي لله، الخارجة مخرج الوصية، التي لم يدل دليل على خروجها من رأس المال، فتكون خارجة من الثلث، فهذا الجمع واضح الوجه، على فرض صحة ما ذكرنا من الاستلزام، وإن كنت لا أراه صحيحا، ولا يراه مَن له أدنى فهم، لما قدمناه، وإذا تقررهذا، عرفت أنّ الأدلة لم تدل على خروج أجرة الحجة من الرأس على كل تقدير، وإذا كانت أجرة الحجة خارجة من الثلث / بتلك الأدلة، فما زاد على الثلث لا يحل إلاّ بطيبة من نفس الوارث، فإن لم 23 ب تطب فهو من أكل أموال الناس بالباطل [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ] [1] ، لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه (إنما دِمَاؤُكُمْ، وَأَمْوَالُكُمْ وَأَعْرَاضُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ] [2] ، وهذه الأدلة وغيرها لا يحلّ تخصيصها إلاّ بدليل مقبول، فهل يقول عارف أنّ الميت إذا استأجر رجلا يحج عنه بعد موته، وعيّن له من الأجرة زيادة على الثلث، وعزم الحاج لتأدية الحج، ثم تبيّن بعد ذلك أنّ الأجرة المسماة زيادة على الثلث، والحج جاهل لكون ذلك المسمّى زائدا على الثلث، أنّ هذا الجهل يصلح لتخصيص الأدلة القاضية بتحريم مال الآدمي إلاّ بطيبة من نفسه، مع عدم التغرير عليه من الموصي، ولا من الوصي، فإنّ الميت لا يستحق من تركته في وصاياه المضافة إلى بعد موته زيادة على ثلث ماله بنص تلك الأدلة، وبمجرد موته قد صار الثلثان لورثته، فأيّ ذنب للوارث أنْ يكون جهل هذا الأجير حجة عليه في أخذ ماله، بل أطمّ من هذا وأعمّ قول مَن قال: إنّ الأجير يستحق التوفية الزائدة على الثلث، وإنْ كان عالما بأنّ أجرته زائدة على الثلث بمجرد جهل الوصي لزيادة الأجرة على الثلث، فأيّ دليل دلّ على أنّ جهل الوصي يحلّ به مال الوارث المسكين!! هذا على فرض أنّ المؤجِّر الوصي، وأمَّا إذا كان المؤجر هو الموصي في مرضه المخوف، أو في غير المخوف، مع الإضافة إلى بعد الموت، ووقع الحج بعد موته، فأيّ معذرة عند الله في ظلم الوارث، فيما جعله الله له من

(1) البقرة 188

(2) شرح معاني الآثار 4/ 158

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت