أيضا إلاّ التبرع بفعل الحج، لا بالاستئجار بمال، فلا حجة في ذلك على ما أردتم، وإن كان الاستدلال بعموم لفظ، فدّيْن الله في الحج ليس إلاّ فعله فقط، ولا تعلّق لذلك بالمال أصلا، كما أنّ دَيْن الله في الزكاة هو المال، وكذلك في كل باب بما يليق به، فإن قلت: قد يكون دََيْن الله في الحج مالا، وذلك إذا أوصى / من قد وجب عليه الحج 23 أ بأن يحجَّ عنه غيره، ويعطى من ماله كذا أجرة لعمله، قلت: وجوب إخراج هذا المال بالوصية لا يكون ذلك المال دَيْن الله، والألزم إخراجه من دون وصية، واللازم باطل، فالملزوم مثله، وقد تقرر بالأدلة أنّ الله جلّ جلاله لم يأذن لعباده في آخر أعمارهم بزيادة على ثلث أموالهم، ولهذا ثبت في الصحيح: (الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) [1] ، فجعله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا؛ إرشادا إلى أنّ الاقتصار على دون الثلث أفضل، فإن قلت: لا مانع من صدق حديث (فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) على المال الموصى به لمن يحج، كما صحّ صدق أحاديث الإذن بالثلث فقط عليه، ولا يلزم ذلك اللازم؛ لأنّ المفروض أنه لا يصير دّيْنا لله إلاّ بالوصية، فكيف الجمع بين الأمرين، قلت: حديث (فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) ليس فيه زيادة على أحقيته بالقضاء، وليس في ذلك تعرض لكونه خارجا من رأس المال، كما يخرج دَيْن الآدمي؛ لأنّ متعلق أفعل التفضيل قد ذُكر، وهو القضاء، فكان أحق من هذه الحيثية دون غيرها، وهذا معلوم لكل عارف بلغة العرب أنّ أفعل التفضيل إذا ذُكر متعلقه كان الفضل الزائد في أحد الجانبين على الآخر مختصا به، تقول: زيدٌ أفضلُ من عمرو في العِلْم، فلو قال قائل: إنّ هذا التركيب يدل على أنّ زيدا أفضل من عمرو في الشجاعة، أو الكرم، لكان مدّعيا على العرب مالا يعرفونه، وإذا تقرر هذا فلا ملازمة بين الأحقية في القضاء، والخروج من الرأس كدَيْن الآدمي؛ لأنه يصدق هذا المفهوم، ويحصل الامتثال له بمجرد إخراج ما كان دينا لله على ما كان دينا للآدمي، مع إخراج كل من مخرجه، مثلا: إذا كان الخارج من الرأس مائة درهم، والخارج من الثُّلث مع كونه دَيْنا لله مائة درهم، والتركة مثلًا ألف درهم، فبمجرد إخراج المائة التي هي دَيْن لله من الثلث قبل إخراج المائة التي هي دَيْن للآدمي من الرأس، يحصل الامتثال، وتصدق الأحقية، ثم هذا لا يُعجز أدنى من يعرف القسمة، لأنه بعد إخراج
(1) جاء في صحيح البخاري 7/ 123: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي قَالَ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا قُلْتُ أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ وَإِنَّمَا لِي ابْنَةٌ قُلْتُ أُوصِي بِالنِّصْفِ قَالَ النِّصْفُ كَثِيرٌ قُلْتُ فَالثُّلُثِ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ قَالَ فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ