أقول: إن كان المانع من القبول ما أسلفه السيد من تضمن الشهادة إمضاء الفعل، فلا فرق بين شهادتهم أنّ أول رمضان يوم صومهم، وبين شهادتهم برؤية الهلال، وإنْ كان المانع جواز الاستناد إلى القرائن التي لا يعمل بها كما ذكره هنا، لزم قبول الواحد من القائلين بصوم يوم الشك إذا أخبر برؤية هلال شوال، أو هلال رمضان من غير تفصيل؛ للأمر من استناده إلى القرائن التي لا يعمل بها، فإنْ قال: المانع ما أسلفه من إمضاء الفعل، ولكنه لا يكون هذا المانع مانعا إلاّ في شهادة الآحاد، لا التواتر؛ لذهاب تلك المظنة التي ردت الشهادة لأجلها، فنقول: تقرر في الأصول أنّ انتفاء داعية الكذب شرط في قبول التواتر، ولا سبب لرد الشهادة على إمضاء الفعل إلاّ كونها مظنة لذلك، فداعية الكذب من الموانع في الآحاد والتواتر عند فحول أئمة الأصول.
وعلى الجملة إنّ هذا التجويز الذي جعله السيد دليلا لرد التواتر الذي يفيد العلم الضروري لو اعتبر بمثله لردّ من شاء ما شاء من شهادة، أو رواية متواترة، أو غير متواترة، قائلا أنا أُجوِّز في هذه الرواية [1] استناد أهلها إلى قرائن لا يعمل با، وليس هذا التواتر متحملا لحصول اللبس في مُخْبَره حتى يقال: يجوز استنادهم إلى ما لا يعمل عليه؛ لأنه لا طريق إلى ذلك إلاّ رؤية الهلال، أو كمال العدة، وهي عائدة إلى الرؤية أيضا، فالمُخْبَر محسوس , لا اشتباه فيه، واستناد جمع جمٍّ إلى قرائن لا يُعمل عليها لو سُلّم احتمال ما نحن بصدده لحصول اللبس خلاف الأصل والظاهر، وما بمثل هذا تُردّ الآحاد، فكيف بالتواتر، غاية الأمر أنْ تكون دلالة هذا التواتر ظنية لا قطعية، وذلك كاف في مثل هذا المقام بالإجماع، ولو تمسّك السيد في مثل هذا التواتر بعدم انتفاء داعية الكذب، وهو شرط في التواتر كما في الأصول، لكان أقرب مما ذكره.
قال: وفي هذا التحذير من تقليد المبتدع والمقلد كفاية لمن له هداية، والله تعالى يجذبنا بيد توفيقه إلى سَنن السنّة، ويرزقنا شكر ما علمنا منها إنه أهل الفضل والمنة.
أقول: ليس قبول خبر المبتدع تقليدا، وكذلك المقلّد، وقد عرفت الكلام على ذلك عند الكلام على الوجه الثالث من كلام السيد رحمه الله.
انتهى ما أردت جمعه من الكلام على هذه الرسالة، وقد بالغت في الاختصار، وتركت كثيرا من الاعتراضات؛ لأنّ استيعاب كل ما يتعلق به البحث ويتشعب إليه يستدعي كَتْب كراريس كثيرة، والاشتغال بغير ذلك أهم، والحمد لله على كل حال، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
فرغ من تحريره مؤلفه الحقير
(1) كتب: أو الرواية، وأحسب أن (أو) زائدة.