ثالثًا: وجوب الاعتدال والتوسط في الإنفاق.
الاعتدال في اللغة: مأخوذ من العدل وهو القصد في الأمور, يقال: عَدَلْتَهُ وعَدَّلْتَهُ حتى اعتدل أي: أقمته حتى استقام واستوى, ولا يفرق أهل اللغة بين الاعتدال والاستقامة، والاستواء، فهم يقولون: «استقام الشيء إذا استوى واعتدل» ، والاعْتِدالُ: «تَوَسُّطُ حالٍ بينَ حالَيْنِ في كَمٍّ أو كَيْفٍ, وكُلُّ ما تَناسَبَ فقد اعْتَدَلَ وكُلُّ ما أقَمْتَهُ فقد عَدَلْتَهُ وعَدَّلْتَهُ» . [1]
والاعتدال اصطلاحًا هو: الوقف عند حدود الشرع بلا إفراط ولا تفريط. [2]
وقيل: «المقصود بالاعتدال هو: أخذ الأمور دون تطرف ومبالغة أوتهويل وتضخيم» . [3]
والاعتدال مطلوب ومحمود فيكل شيئ لاسيما في المال فقد دعت الشريعة الإسلامية على مراعاة الاعتدال والتوسط في إنفاق المال وصرفه في وجوه الخير , والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية, فمن القرآن الكريم ما يلي:
1 -في قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة: 89) وجه الدلالة ما قاله الشوكاني في معنى: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} : «المراد بالوسط هنا: المتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير وليس المراد به الأعلى كما في غير هذا الموضع: أي أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه ولا يجب عليكم أن تطعموهم من أعلاه, ولايجوز لكم أن تطعموهم من أدناه» . [4]
ويرد على الشوكاني بأنه: قد يراد بالوسط هنا الخيرية أيضًا لأنَّنا عندما نُريد أن نستخرج معنى الخيريَّة لا ننظر من طرف واحد فقط، فإذا نظرنا إلى مصلحة الفقير فقط قلنا: إنَّ الخيريَّة في السّمينة السّليمة الأفضل مما هو من أجود الأغنام وأغلاها.
(1) - لسان العرب, حرف اللام, مادة (عدل) ج 11 ص 430 , القاموس المحيط , فصل العين , بال اللام مادة (عدل) ج 4 ص 13.
(2) - ضوابط إنفاق المال في الإسلام - ص 37.
(3) - فقه الدعوة الإسلامية في الغرب ووجوب تجديدها على الحكمة والوسطية والاعتدال - (ج 1 / ص 13) .
(4) - فتح القدير ج 2 ص 104.